كتب الإثيوبي دكتور برهاني نقا.. من الأخوّة إلى الانهيار، إذا ثبتت صحته، فإن دور إثيوبيا في حرب السودان سيكون خيانة للتاريخ.. أكتب هذا لا بصفتي محللًا فحسب، بل كإنسان تشكّلت حياته بفضل كرم السودان.
وصلتُ إلى السودان طفلًا ، لم أكن قد تجاوزت الثالثة من عمري،إثيوبيّ المولد، لكنني نشأت وتعلمت وتكوّنت في بلد لم يعاملني يومًا كغريب.!!
لم يمنحني السودان اللجوء فحسب، بل منحني الكرامة. علّمني، وفتح أمامي الأبواب، وأتاح لي فرصًا قادتني من الخرطوم إلى المغرب، ثم إلى مؤسسات عريقة مثل كلية الحقوق بجامعة هارفارد، وجامعة بوسطن، وكلية فليتشر.
ولم أشعر في أي مرحلة من حياتي في السودان أنني دخيل، بل عوملت كواحد من أبنائه.
لهذا، فإن ما نشهده اليوم ليس مجرد تطور سياسي، بل قضية تمسّني على نحو شخصي عميق.
إن الاتهامات الأخيرة التي وجّهها السودان إلى إثيوبيا، والتي تفيد بأن هجمات على أراضيه قد تكون انطلقت من داخل الأراضي الإثيوبية، لا تمسّ العلاقات بين الدول فحسب، بل تضرب في صميم تاريخ طويل من الأخوّة والتضامن والنضال المشترك بين شعبينا.
لقد وقف السودان دائمًا إلى جانب إثيوبيا.
فعندما فرّ الإثيوبيون من النزاعات، فتح السودان حدوده. وعندما اشتدت الأزمات، لم يحسب الكلفة السياسية، بل استجاب بدافع إنساني. لم يعامل إثيوبيا كعدو، بل كأهل.
ومن هنا، فإن هذه الاتهامات، إن ثبتت صحتها، لن تمثّل مجرد انتهاك لميثاق الأمم المتحدة ومبدأ عدم التدخل، بل ستشكّل قطيعة أخلاقية وخيانة للتاريخ، قبل أن تكون خرقًا للقانون.
السودان اليوم ينزف، عشرات الآلاف قُتلوا، الملايين شُرّدوا، عائلات تمزّقت، ووطن بأكمله يصارع من أجل البقاء. وفي مثل هذه اللحظة، لا يُنتظر من الجيران وخاصة جارًا قريبًا كإثيوبيا مجرد الحياد، بل تحمّل المسؤولية، لا الصمت، بل التضامن.
إن مجرد احتمال استخدام الأراضي الإثيوبية بشكل مباشر أو غير مباشر لتسهيل هذه الهجمات، أو انخراط أي طرف في ترتيبات تسهم في تمزيق السودان، هو أمر بالغ الخطورة.
وبوصفي سودانيًا/إثيوبيًا، أقول هذا بقلب مثقل، هذا ليس ما ينبغي أن نكون عليه.
إثيوبيا دولة ذات تاريخ عريق، وحضارة راسخة، وإرث قيادي في إفريقيا. وهي لا تحمل القوة فحسب، بل المسؤولية أيضًا. تعرف معنى الصراع، وتدرك كلفة الانقسام. ولذلك، يقع عليها واجب ، ليس واجبا سياسيًا فقط، بل أخلاقيًا أيضًا، أن تقف إلى جانب السودان في أحلك لحظاته، لا أن تسهم، بأي صورة، في معاناته.
عندما كانت إثيوبيا تنزف خلال حربها الأهلية، كان السودان حاضرًا دون تردد. لم يغلق حدوده، بل فتحها. ولم يدر السودانيون ظهورهم للاجئين الإثيوبيين، بل استقبلوهم في بيوتهم، وتقاسموا معهم الطعام، وعاملوهم بكرامة وأخوّة.
لم يكن ذلك موقفًا سياسيًا، بل تعبيرًا عن إنسانية عميقة. فالعلاقة بين البلدين لم تُبنَ يومًا على العداء، بل على التضامن وهو ما تجسّد حتى على مستوى القيادات، حيث حافظت شخصيات مثل ميليس زيناوي وعمر البشير على علاقات وثيقة قائمة على الاحترام المتبادل والتعاون الإقليمي.
ولهذا، فإن المسار الحالي يثير قلقًا بالغًا. فإذا بدا أن إثيوبيا، في ظل قيادتها الحالية، تقف بعيدًا عن السودان أو تنخرط في مواقف تسهم في معاناته فإن ذلك لن يكون مجرد خطأ سياسي، بل إخفاقًا أخلاقيًا. وسيعني نسيانًا للتاريخ، وتجاهلًا للتضحيات التي شكّلت هذه العلاقة.
في وقت يمر فيه السودان بأحد أحلك فصوله، ينبغي لإثيوبيا أن تمد يد العون، لا أن تتخذ مواقف تثير الشكوك. فالانصراف الآن، أو الظهور بمظهر الداعم للضرر، ليس أمرًا مؤسفًا فحسب، بل مخزٍ بعمق.!!
تُنسب إلى الإمبراطور هيلا سيلاسي حكمة تقول: «من يسكنون بيوتًا من زجاج لا ينبغي لهم أن يرموا الناس بالحجارة». واليوم، تكتسب هذه العبارة دلالة ملحّة؛ إذ لا دولة في منطقتنا بمنأى عن الاضطراب، وتطبيع العدوان العابر للحدود هو دعوة لارتداده يومًا ما.
تدمع عيناي وأنا أكتب هذا. قلبي مثقل لأن السودان لا يستحق هذا.
لم يكن السودان ليستحق أن يُترك وحيدًا، ولا أن يُؤذى بشكل مباشر أو غير مباشر من أولئك الذين احتضنهم كإخوة. هذا التاريخ لا يمكن محوه عندما يصبح غير مريح.
هذا ليس نداءً للمواجهة، بل دعوة لإثيوبيا أن تتذكر من تكون.!؟؟
إثيوبيا ليست فاعلًا هامشيًا، بل دولة ذات تاريخ وفخر ودور قيادي في إفريقيا. غير أن القيادة لا تُقاس في لحظات القوة وحدها، بل في لحظات الوضوح الأخلاقي. واليوم، هذا الوضوح على المحك. وعلى إثيوبيا أن تختار، هل تقف مع جارها—أخيها—أم تنجرف إلى حسابات قد تقوّض هذه الرابطة؟؟
و للشعب الإثيوبي، يجب أن يُقال بوضوح لا شراكة خارجية، ولا تحالف متقلّب، يمكن أن يحل محل حقائق الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك. السودان جاركم، وهو جزء من قصتكم. ولا تحالف بعيد يمكن أن يحمل ذات المسؤولية أو العواقب.
يقف القرن الإفريقي عند مفترق طرق هش. خطوة واحدة خاطئة قد تشعل سلسلة من الاضطرابات لن تتوقف عند الحدود، ولن تميّز بين حليف وخصم. في مثل هذه اللحظة، تقتضي الحكمة ضبط النفس، وتقتضي القيادة التضامن.
لم يعامل السودان إثيوبيا يومًا كعدو.
وقد حان الوقت لإثيوبيا أن تثبت بوضوح وحسم أنها لا تزال ترى في السودان أخًا.
السودان ينزف نعم، لكن شعبه لم يستسلم. فمن يجرؤ على وصفه بالمهزوم؟
فلتدرك إثيوبيا والإمارات العربية المتحدة أن السودان صامد، لأن شعبه يرفض السقوط.
السودان قوي.!؟
برهاني تكلو-نقا
كلية الحقوق بجامعة هارفارد، جامعة بوسطن، وجامعة تافتس/كلية فليتشر للقانون والدبلوماسية، ماجستير شريعة وقانون جامعة الخرطوم، وجامعة محمد الخامس (الرباط ) المغرب
