كتب الدبلوماسي الأمريكي السابق والمحلل السياسي كاميرون هدسون تحت عنوان “ما الذي تستفيد واشنطن من تقسيم السودان؟- في ظل غياب رؤية واضحة لمستقبل السودان، مدفوعةً بدوافع مشكوك في أخلاقيتها وقصيرة الأجل، تواصل الإدارة الأمريكية المضي قدمًا في مقترح سلام للسودان، حتى أن واضعيه (السعودية والإمارات ومصر) يبدو أنهم يؤيدونه بشكل مبهم.
والأهم من ذلك، لا يبدو أن أيًا منهم قلقٌ من أنه في حال قررت الأطراف المتحاربة قبول وقف إطلاق النار من تلقاء نفسها، وهو أمر مستبعد، فإن مثل هذا الاتفاق سيُضفي الطابع الرسمي على تقسيم السودان، وهو شرطٌ اعتبرته كلٌ من مصر والسعودية تجاوزًا للخطوط الحمراء، وسيؤدي حتمًا إلى تفاقم الوضع الإنساني المتأزم أصلًا والذي التزمت جميعها بتحسينه.
ولكن في غياب خارطة طريق سياسية تُسرّع من انتقال السودان إلى إدارة مدنية، وتُلزم في الوقت نفسه كلا الطرفين المتحاربين بالتخلي عن أي مطالبات بالسلطة، فإن وقف إطلاق النار سيُشكّل انتهاكًا لسيادة السودان ووحدته، وهو ما تدّعي دول المنطقة معارضته.
ربما هذا هو المقصود لطالما شعرت إدارة ترامب بالارتياح للعمل مع كلا طرفي النزاع في ليبيا المنقسمة، وتعزيز مصالحها الاستراتيجية معهما. فمن وجهة نظر واشنطن، يُتيح انقسام السودان مع تمتعه بسلام نسبي فرصةً لإيصال المساعدات، وإعادة بناء سبل العيش، وإجراء محادثات سياسية. لكن السودان ليس ليبيا، تمامًا كما أن إيران لم تكن فنزويلا. إلا أن هذه دروس يبدو أن القادة الأمريكيين غير مهتمين بتعلمها.
في الواقع، فإن وقف إطلاق النار الذي يُفضي إلى تقسيم السودان الفعلي الحالي بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، ليصبح الحدود القانونية بين كيانين سياسيين جديدين، لا يخدم مصالح أي طرف تقريبًا، باستثناء واشنطن. فالإمارات، التي أبدت تصميمًا راسخًا على دعم قوات الدعم السريع لسنوات عديدة في ظل استنكار شعبي متزايد، لن تحقق المكاسب الاقتصادية والسياسية التي راهنت عليها من خلال سيطرة قوات الدعم السريع على العاصمة السياسية الفعلية للسودان، الخرطوم، فضلًا عن ساحلها الاستراتيجي القيّم على البحر الأحمر. قد يُتيح نفوذ قوات الدعم السريع على غرب دارفور وأجزاء من جنوب ووسط السودان أرباحًا متواضعة من تعدين الذهب، لكنه لن يُحقق أيًا من المكاسب الاستراتيجية التي استثمرت الإمارات في تحقيقها.
كما أن التقسيم سيؤدي إلى تجاوز الخط الأحمر الذي وضعته كل من مصر والسعودية بشأن وحدة السودان، فضلًا عن رفضهما لسلطة غير حكومية كقوات الدعم السريع. وهذا من شأنه أن يفتح الباب أمام قوى مماثلة في أنحاء المنطقة. بالنسبة للقاهرة، يُمثل هذا الاختراق تهديدًا مباشرًا، إذ ستسيطر ميليشيات إجرامية، تعتمد في تمويلها على التجارة غير المشروعة عبر الحدود وتجنيد قطاع الطرق من مختلف أنحاء المنطقة، على امتداد حدود مشتركة يسهل اختراقها، مما يُشكل تهديدات أمنية لا حصر لها للسلطات المصرية. وردًا على ذلك، أفادت التقارير أن القاهرة قد كثفت بالفعل عمليات المراقبة الجوية باستخدام الطائرات المسيّرة في المنطقة الحدودية، بل واتخذت إجراءات عسكرية ضد خطوط إمداد قوات الدعم السريع في المنطقة. فماذا ستفعل أيضًا إذا أصبحت نيالا، المقر الحالي لقوات الدعم السريع في دارفور، عاصمتها السياسية؟
علاوة على ذلك، فإن ترك قوات الدعم السريع تسيطر على ما يقارب ثلث السودان سيدمر منطقة مجاورة تقف أصلاً على حافة أزمات سياسية واقتصادية داخلية. تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان هي ثلاث من أضعف دول العالم وأفقرها وأكثرها تشرذماً، وستشترك الآن في حدود مع كيان سياسي تابع لقوات الدعم السريع. ولا شك أن هذا سيزيد من التجارة غير المشروعة عبر الحدود، والتجنيد، وعدم الاستقرار الذي تعتمد عليه قوات الدعم السريع في بقائها، ولكنه قد يكون له عواقب وخيمة على المنطقة الضعيفة والمنهكة أصلاً.
لكن المتضرر الأكبر سيكون ملايين المدنيين السودانيين الذين يعيشون تحت سيطرة قوات الدعم السريع. استغلت قوات الدعم السريع (RSF) حوادث وقف إطلاق النار السابقة، بل وحتى محادثات وقف إطلاق النار، لارتكاب بعضٍ من أبشع فظائع الحرب. ففي مايو/أيار 2023، وبعد توقيع اتفاقية وقف إطلاق نار لمدة سبعة أيام في جدة بالمملكة العربية السعودية، شنت قوات الدعم السريع هجومها الأكثر وحشية على مدينة الجنينة غرب دارفور، في موجة عنف بلغت من الشدة حدًّا دفع إدارة بايدن إلى وصفها بالإبادة الجماعية.
وبالمثل، بينما كان مسؤولو قوات الدعم السريع ينعمون بالراحة في واشنطن في أكتوبر/تشرين الأول الماضي للتواصل مع مسؤولي القوات المسلحة السعودية ومسؤولي التحالف الرباعي في محادثات وقف إطلاق النار، كانت القوات البرية التابعة لقوات الدعم السريع تخطط وتنفذ أكبر هجوم لها حتى الآن على عاصمة دارفور، الفاشر، في حلقة أخرى من العنف المتعمد الذي يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.
ومنذ توطيد سيطرتها على دارفور، لم تتوقف قوات الدعم السريع عن تنفيذ الاعتقالات والإعدامات بإجراءات موجزة وضربات الطائرات المسيرة والاغتصاب والتهجير القسري في المناطق الخاضعة لسيطرتها. ومن الصعب تصور تغير هذا الوضع في ظل منح قوات الدعم السريع مزيدًا من الحرية في هذه الأراضي.
