بقلم- محيي الدين شجر- في أروقة محكمة بورتسودان، لم تكن القضية التي صادفتني مجرد دعوى نفقة عادية لمطلقة تطالب بنفقة لأطفالها،الدعاوى التي تنشر في مجتمعنا.. بل كانت مشهدًا صادمًا يهز وجدان المجتمع قبل نصوص القانون. أبٌ يرفع دعوى نفقة أبوة ضد ابنته، والقضاء ينصفه، فيحكم له بمبالغ تكفل له الطعام والإدام والسكن والعلاج. حكمٌ عادل من حيث القانون، لكنه موجع من حيث المعنى لمجتمع عُرف بالتكافل والتعاضد والعلاقات الأسرية السامية والمتماسكة.
القصة، وإن بدت في ظاهرها قانونية، فإنها في جوهرها أخلاقية واجتماعية عميقة. أن يبلغ الأمر بأبٍ أن يقف في مواجهة ابنته أمام القضاء طلبًا للنفقة، فهذا وحده كافٍ لطرح أسئلة ثقيلة: ما الذي انكسر في العلاقة؟ ما هي أسباب هذا الصدام القاسي؟ وأي فجوة تلك التي اتسعت حتى صار القانون بديلًا عن الحنية والرحمة؟
ليس من السهل، ولا من المقبول في وجدان السودانيين، أن يلجأ أبٌ إلى المحاكم إلا وقد بلغ به الإهمال مبلغًا لا يُحتمل. فثقافة البر بالوالدين متجذرة في المجتمع، تغذيها القيم الدينية والتقاليد الراسخة. لذلك، فإن مثل هذه الواقعة لا يمكن قراءتها كحالة فردية معزولة، بل كإشارة إلى تحولات أعمق قد تكون بصدد التشكل في بنية المجتمع السوداني.
الحكم القضائي نفسه يحمل دلالة أخرى؛ إذ إن تقدير المحكمة لمبلغ “معتبر” يعني أن الابنة ميسورة الحال، وأن الامتناع عن الإنفاق لم يكن لعجز، بل لاختيار. وهنا تتضاعف الحيرة: ما الذي يدفع ابنة قادرة إلى أن تحجب مالها عن والدها؟ أهو خلاف عابر تضخّم؟ أم قطيعة نفسية أعمق؟ أم أننا أمام ملامح فردانية جديدة بدأت تزاحم روح التكافل الأسري؟
لا يمكن تبرئة أي طرف دون معرفة التفاصيل الكاملة، لكن الثابت أن وصول العلاقة بين الأب وابنته إلى منصة القضاء هو فشل جماعي؛ فشل في التواصل، وفشل في احتواء الخلافات قبل أن تتضخم، وربما فشل في غرس القيم أو الحفاظ عليها وسط ضغوط الحياة الحديثة.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد قضية نفقة، بل انعكاس لتحولات اقتصادية واجتماعية قاسية. الحروب، النزوح، الضائقة المعيشية، وتبدل الأدوار داخل الأسرة، كلها عوامل قد تعيد تشكيل العلاقات، أحيانًا بشكل قاسٍ وغير مألوف. ومع ذلك، تبقى بعض الخطوط الحمراء في الوجدان الجمعي، وفي مقدمتها حق الوالدين في البر والرعاية.
هذا المشهد يدعونا إلى مراجعة عميقة: كيف نحمي ما تبقى من تماسك الأسرة السودانية؟ كيف نعيد ترميم قيم الرحمة والتكافل؟ وكيف نمنع أن يتحول “البر” من قيمة فطرية إلى بند قانوني يُنتزع عبر الأحكام؟.
قد يكون الحكم قد أعاد للأب حقه، لكنه في الوقت نفسه كشف عن جرحٍ في جسد المجتمع؛ جرحٌ لا يداويه قانون، بل تعالجه فقط عودة الوعي، واستعادة المعنى الحقيقي للأسرة، حيث لا يُترك الأب محتاجًا، ولا تُدفع البنوة إلى قاعات المحاكم.
