عندما قال الدعيتر: الأكل مسيخ

0

كتب محمد الطيب الأمين- عندما قال الدعيتر: الأكل مسيخ بدون أولادي- الحزن يأكل فينا مثلما (تأكل النار الورق).. أقول (الورق) وليس الحطب، فنحن أمام الحزن والموت مجرد (أوراق) لا تختلف عن (أوراق الخريف).

 

يهب الموت ويلتقط الأعزاء فنسقط نحن حزناً يقتلنا دون أن نموت.. نموت بالأقساط وجعاً ، تميهداً للموت الأخير.

رحل عن دنيانا الفانية اليوم الفنان والممثل الكبير (مختار الدعيتر).

وعندما تلقيت خبر وفاته (جريت جري للواتساب) فما بيني وبينه محبة متبادلة وكثير من اللطائف والرسائل والذكريات ، سأحكي عنه قليل من كثير لا يعرفه الناس.

 

اخر لقاء جمعني بالدعيتر كان قبل (سنة وزيادة) خارج السودان.

وهذه الصور المرفقة مع البوست هي ثوثيق لاخر لقاء جمع بيننا.

اللقاء كان من أجل الترتيب لبعض الأعمال التي إتفقنا على تنفيذها.

فقد طلب مني (كتابة سيناريو) بالإضافة لإنتاج مجموعة (حلقات تلفزيونية تدور حول شخصية الدعيتر).

وهذا يؤكد أن اللقاء يفترض أن يكون فيه الجانب العملي أكبر ولكن.

 

جلس الدعيتر يحدثني عن (أسرته وأولاده) بطريقة فيها كثير من الشجن والشوق.

حدثني عن أسرته الصغيرة حتى ظننت أنه يريدني أن أكتب له عن الأسرة.

أولاده وقتها كانوا في السودان وقد تحدث عنهم وكاد أن يبكي.

 

أحس بالدموع في طرف لسانه فهو يبكي بخشمه ولا يبكي بعيونه.

لم أر في حياتي شخص يتحدث عن أسرته بكل ذلك الحنين والشوق مثل الدعيتر.

قال لي بالحرف : (أنا ما مرتاح واولادي بعدين مني ، لا قادر أكل ولا قادر أنوم ولا قادر أشتغل) .

قال لي : (أطيب أنواع الأكل مسيخة عندي في غياب أولادي)

 

قد يكون ما قاله شعور طبيعي وإحساس يحسه كل أب تجاه إسرته خاصة في زمن الحرب.

هذا طبيعي.

ولكن أن يتحول (لقاء العمل) لونسة شوق فهذا غير طبيعي.

مرة مشينا (هو وأنا) لوزارة الإعلام في إحدى الدول الشقيقة.

كان عندنا مواعيد مع مسؤول في وزارة الإعلام في تلك الدولة.

 

والغرض من (المواعيد) تقديم مقترح بخصوص عمل فني درامي مشترك بين البلدين.

وللأمانة أنا ما كنت صاحب المبادرة ولا صاحب التنسيق.

طلب مني الدعيتر أن أذهب معه لمقابلة هذا المسؤول وقد وافقت.

قدمني الدعيتر للمسؤول باعتباري (كاتب السناريو والفكرة).

 

وقد رحب بنا مسؤول الوزارة ترحيباً حاراً.

بدأنا اللقاء وكان الدعيتر يحرص بعد كل كلمتين لإقحام أسرته في الموضوع.

كل كلمتين بقول للمسؤول : (أنا لازم أجيب أسرتي حتى يحصل إستقرار).

ويومها كانت معظم الدول قد قفلت وجهها أمام الشعب السوداني بسبب الحرب.

لم ننفذ ولا فكرة من الأفكار التي اتفقنا عليها وذلك بسبب انشغال (قلب الدعتير) بأولاده.

 

كانت مشاعره أكبر وأقوى وأصدق من العمل.

ولذلك استسلم لعذابات الشوق وظل يبكي في صمت.

ثم غادر إلى السعودية بحثاً عن منفذ يدخل به أولاده وقد كان.

اليوم عندما عدت للواتساب وفتحت دردشتي مع الراحل أعدت الإستماع لمجموعة كبيرة من الرسائل الصوتية.

وقد توقفت كثيراً عند رسالته التي قال فيها : (والله يا محمد أبشرك أولادي وصلوا طيبين ومستقرين ومبسوطين ، أجرنا لينا شقة قدرنا الحمدلله ، لكن ضربنا التهاب شهر كامل ما راح).

 

وأضاف : (بعد دا أنا زول شغل إن شاء الله بس أقوم من الالتهاب دا).

هي أقدار الله وحكمته، قام من الالتهاب سالماً ووقع في (الذبحة) و(ضعف العضلة) .

استعجل الدعتير حضور أولاده وقد كلفه ذلك ما كلفه من مال.

 

ربما أحس بقرب مواعيد الرحيل.

رحل بعد أن (ضعف أداء عضلات قلبه) وهو الذي أسعد قلوب أهل السودان.

الدعيتر هو (ضحكة متحركة).

رجل سوداني شديد الأدب والاحترام.

موهوب بالفطرة ويملك قدرات كبيرة في الحكي وإتقان الدور.

 

حقيقي (ود بلد).

لا أعرف كيف سيكون حال أولاده اليوم ؟

الدعيتر الذي (إستمسخ الأكل الطيب في غياب أولاده) ، الآن ستمسخ الدنيا بطولها وعرضها على أولاده.

فقد كانوا شركاء له في الحياة والابتسامة والعمل.

بل أن الدعيتر في عمله كان يستجيب لطلاب أولاده ويعتبرهم (جمهور درجة أولى).

 

حكى لي أن إبنه الصغير أيام تسجيل حلقات مسلسل (الدعيتر) قد قال له : يا أبوي لو داير المسلسل دا يعبر ويعمل مشاهدات لازم تجيب مروة الدولية في حلقة).

وقد إستجاب الدعيتر لإبنه وهو يضحك.

وفعلاً شاركت مروة الدولية في إحدى حلقات المسلسل بطلب من إبن الدعيتر.

 

الموت هو مصيبة لأهل المتوفي ، فقط نسأل الله العلي العظيم أن يصبر أسرته على فراقه.

ونسأل الله أن يكون الموت راحة له وأن يكون طريقة سالكاً إلى الفردوس الأعلى يارب العالمين.

وإنا لله وإن إليه راجعون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.