الخرطوم تستعيد نبضها.. ومدير المدرسة الأمريكية يصل السودان

0

أمدرمان- السنوسي أحمد- بدأت الطائرة الانخفاض التدريجي وهي تمر فوق أهرامات البجراوية، التي تغطيها الرمال على ضفاف نهر النيل في الأسفل، كانت عشرات المواقع الأثرية متناثرة عبر الصحراء، وقد خففت الرمال المتحركة من ملامحها وفي الأفق، بدأت معالم الخرطوم في الظهور.

 

قطع صوت القبطان أجواء المقصورة قائلاً: «سيداتي سادتي، بعد عشر دقائق سنهبط في مطار الخرطوم الدولي يرجى التأكد من ربط أحزمة الأمان.»

 

من الأعلى، ما زالت المدينة جميلة — لكنها أكثر هدوءًا وهشاشة آثار ما يقرب من ثلاث سنوات من الحرب واضحة على العديد من المباني العالية التي تحيط بالمدينة. أشجار أقل، سيارات أقل، ومظاهر حياة أقل مما كانت عليه سابقًا، لكن كل شيء بدأ يعود بشكل تدريجي.

 

لم يكد كيري جاكوبسون، مدير المدرسة الأمريكية بالخرطوم خلال العامين الماضيين، يصدق أنه وصل أخيرًا — على متن رحلة مدنية إلى مدينة كانت، حتى وقت قريب، منطقة حرب نشطة. على مدى عامين، تخيّل هذه اللحظة منذ أن بدأ إدارة المدرسة من مصر بعد إغلاقها عام 2023 بسبب الحرب.

 

أثار إعلان الكابتن مشاعر متضاربة لدى جاكوبسون: ارتياح، وعدم تصديق، وتصميم هادئ. لم تعد الخرطوم منطقة عمليات نشطة بعد استعادة القوات المسلحة السودانية السيطرة عليها، لكن ثقل ما حدث ما زال حاضرًا في كل مكان.

 

أحب جاكوبسون السودان قبل أن يراه — من خلال القصص التي سمعها من الطلاب والمعلمين والموظفين والأصدقاء المرتبطين بالمدرسة. لم تكن الأهرامات التي رآها للتو، وهي محاطة بالرمال، أو المناظر الطبيعية فقط، بل الناس الذين عاشوا وعملوا هناك.

 

بعد الهبوط بقليل، توجه جاكوبسون مع زميله السوداني إلى الحرم المدرسي الذي أُجبروا على إغلاقه مع اندلاع الحرب.

 

وقف عند المدخل مرتديًا قميصًا من الكتان وقبعة بيسبول. كان الصمت طاغيًا. شعر بمزيج من الفرح والحزن — سعيدًا بعودته، لكنه مدرك بعمق لحجم الغياب. الفصول الدراسية التي كانت تضج بالأصوات أصبحت فارغة. المعلمون والطلاب الذين ملأوا المكان بالحياة رحلوا، وأصبح كل شيء هادئًا بشكل مزعج.

 

ومع ذلك، كان هذا الغياب هو السبب تحديدًا لعودته.

 

على مدار أكثر من 50 عامًا، ظلت المدرسة الأمريكية بالخرطوم مفتوحة، تخدم الطلاب السودانيين وأبناء الأجانب الذين يعيشون في السودان ويصفونه بالوطن. والآن، يبدو جاكوبسون مصممًا على إعادة افتتاحها.

 

قال: «حيث يوجد أبطال، توجد إمكانيات»، موضحًا ما دفعه للعودة.

 

ستكون المهمة المقبلة شاقة. التمويل محدود، والبنية التحتية متضررة، والكهرباء والخدمات الأساسية تحتاج إلى استعادة. إعادة البناء ستتطلب وقتًا وموارد وصمودًا.

 

وشدد قائلاً: «الأمر ليس سهلاً، لكن التعليم عالي الجودة ضروري لإعادة بناء الخرطوم والسودان. المدرسة الأمريكية بالخرطوم جزء من هذا الأساس.»

 

كانت انطباعاته الأولى عن المدينة ثقيلة. قال: «عند رؤيتي الأولى، شعرت بالغضب والحزن تجاه الإنسانية. إن عدم اهتمامنا ببعضنا البعض — وبالعالم الطبيعي وبالخير ذاته — كان واضحًا في المباني المحترقة والمقصوفة والشوارع الخالية المليئة بالرماد والغبار.»

 

لكن هذه النظرة بدأت تتغير. «مع الوقت، بدأت ألاحظ الأبطال»، تابع. «متجر صغير مفتوح في شارع لا يعمل فيه شيء آخر. شجرة ما زالت تثمر في بستان قُطع من أجل الحطب. صاحب منزل يصلح بابه بينما تنظف زوجته الأنقاض.»

 

حتى مرافقيه بدأوا يرون المدينة بشكل مختلف — ليس كشيء محطم بلا أمل، بل ككيان بدأ بالفعل في التعافي.

 

في الحرم المدرسي، أرشدهم أربعة من الموظفين الذين بقوا خلال الحرب إلى الأضرار. تعرضت الفصول للرصاص والمتفجرات، وأُحرقت الأسلاك لاستخراج النحاس. فُقد الكثير. ومع ذلك، كان هناك تقدم. قالوا لهم: «قمنا بتركيب طاقة شمسية، ولدينا نظام لضخ المياه، ونظفنا الملاعب والفصول. يمكننا إصلاح معظم الأضرار والاستعداد لاستقبال الطلاب بحلول أغسطس.»

 

بالنسبة لجاكوبسون، كان هذا كل شيء. بعض الطلاب والعائلات، كما قال، بدأوا بالفعل في العودة، وآخرون يستعدون لذلك. وأضاف: «هؤلاء الطلاب هم سبب وجودنا.»

 

ويرى أن التعليم سيلعب دورًا محوريًا في تعافي البلاد. وقال: «جيل متعلم جيدًا يمكنه بناء أنظمة تدعم السلام ومستقبلًا أفضل. هذا ما نلتزم به كل يوم.»

 

تمتد رسالة المدرسة إلى ما هو أبعد من حرمها — فمن خلال تدريب المعلمين، وبرامج اللغة الإنجليزية، والأنشطة المجتمعية، تسعى إلى دعم إعادة بناء الخرطوم على نطاق أوسع.

 

عاد جاكوبسون إلى القاهرة قبل أيام، ويستعد للعودة خلال الأسابيع المقبلة. العمل القادم غير مؤكد بسبب نقصّ الموارد المالية للمدرسة ، لكن الهدف واضح: إعادة فتح المدرسة، واستقبال الطلاب من جديد في الفصول، والمساعدة في استعادة الإحساس بالحياة الطبيعية في مدينة ما تزال تبحث عن طريقها نحو المستقبل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.