كتب مصعب عوض محمد خير- رئيس الوزراء قام بحل جميع مجالس ادارات الشركات الحكومية ، ماذا يعني هذا؟ كيف يجب اعادة تعيين هذه المجالس؟ يشمل القرار 28 هيئة وأكثر من 200 شركة حكومية، وقد يفوق عدد أعضاء مجالس الإدارات الذين شملهم الإعفاء 2000 عضو إذا افترضنا متوسط حجم المجلس بين 7 و11 عضواً وبذلك فإن القرار يمثل تدخلاً واسعاً في أحد أهم مستويات اتخاذ القرار داخل القطاع الحكومي.
في دراسة موسعة أعددتها حول حوكمة الشركات الحكومية في السودان شملت 215 شركة، خصصت فصلاً لتحليل الاقتصاد السياسي لهذا القطاع، توقفت مطولا عند دور مجالس الإدارات. فهي لا تضطلع بوظيفة إشرافية داخلية ضمن الترتيبات الادارية والقانونية لهذه الشركات فحسب، بل هي أحد المفاصل المؤسسية التي تتقاطع عندها اعتبارات إدارة الأصول العامة مع ترتيبات ممارسة السلطة داخل الجهاز التنفيذي. ومن خلالها تمر قرارات تتعلق بتخصيص الموارد والعقود والتوظيف.
.عملياً، لم تتشكل مجالس الإدارات في كثير من الحالات وفق نموذج حوكمة يركز على الكفاءة والأداء، بل داخل سياق استخدمت فيه الشركات الحكومية في كثير من الاحيان كأدوات لإدارة التوازنات المؤسسية أو استيعاب ضغوط العمالة أو توزيع فرص التعاقد.
الشركات الحكومية تتقسم في تبعيتها بين وزارات الحكومة حسب مجالها وهناك تداخل أدوار بين الوزارة الوصية ومجلس الادارة والإدارة التنفيذية جعل المساءلة ضعيفة، والقرار موزعاً بين جهات متعددة، بحيث يصعب تحديد من يملك السلطة فعلاً ومن يتحمل المسؤولية عند الفشل.
حل مجالس الإدارات هو في جوهره إعادة فتح لساحة التنافس على السيطرة المؤسسية داخل الشركات الحكومية. فالقرار يوقف مؤقتاً الترتيبات التي كانت تنظم توزيع الريع والنفوذ، لكنه لا يغير بالضرورة المنطق الذي أنتجها. الاختبار الحقيقي لن يكون في إعادة التعيين نفسها، بل في ما إذا كانت الدولة ستنتقل من استخدام المجالس كمساحات لتوازنات السلطة، إلى بنائها كأدوات لضبط الأداء والمساءلة.
إذا أُعيد تشكيل المجالس بنفس المنطق القديم أي كتوزيع للولاءات أو تمثيل لمصالح وزارية أو سياسية فإننا سنكون أمام دورة جديدة من المشكلة نفسها. أما إذا استُخدم القرار كبداية لإعادة بناء الحوكمة، فهناك عدد من المبادئ التي يجب أن تحكم المرحلة القادمة.
أولاً: لا بد من وضوح مركز الملكية. فتمكين مجالس الإدارات يفترض وجود جهة واحدة تمارس دور (مالك الدولة) بشكل استراتيجي. في دراستي اقترحت بناء منصة وطنية موحدة لبيانات هذه الشركات تحت قيادة وزارة المالية كخطوة انتقالية أساسية نحو إنشاء وكالة وطنية مستقلة تؤول لها ملكية جميع الشركات الحكومية ،تعاد هيكلة علاقة الدولة من خلالها مع القطاع الحكومي الإنتاجي.
ثانياً، يجب الفصل الحقيقي بين أدوار السياسات والتنظيم والتشغيل. الوزارة التي تضع سياسات القطاع أو تنظم السوق لا ينبغي أن تدير في الوقت نفسه شركة تنافس داخل هذا السوق. هذا التداخل كان أحد أسباب ضعف المجالس، لأنه جعلها خاضعة لتوجيهات متغيرة لا تعكس دائماً المنطق التجاري والمالي.
ثالثاً: إعادة تشكيل مجالس الإدارات يجب ان تبني على معايير الكفاءة والاستقلال، لا على منطق التمثيل البيروقراطي الممارسة الحالية التي تجعل كبار موظفي الوزارات أعضاء في مجالس إدارات الشركات الحكومية بحكم مواقعهم الوظيفية تُضعف دور المجلس كمؤسسة حوكمة، لأنها تخلط بين دور المالك ودور المشرف التنفيذي. إنهاء هذا النمط شرط أساسي لتحويل المجالس من هياكل شكلية إلى منصات لاتخاذ القرار الاستراتيجي، عبر إدخال خبرات مالية وقانونية وتشغيلية قادرة على مساءلة الإدارة وربط الأداء بالأهداف.
رابعاً، لا يمكن الحديث عن حوكمة فعالة في غياب الشفافية والبنية المعلوماتية. كثير من محاولات إصلاح الشركات الحكومية تعثرت لأن الدولة نفسها لم تكن تمتلك رؤية متكاملة لحجم الأصول والالتزامات ومستويات الأداء. إعادة تشكيل مجالس الإدارات دون بناء قاعدة بيانات رقمية وطنية ومحدثة سيجعل هذه المجالس تعمل في بيئة يغيب عنها وضوح المخاطر والأهداف، ما يحد من قدرتها على اتخاذ قرارات استراتيجية أو ممارسة مساءلة حقيقية.
خامساً، إصلاح الحوكمة يعيد بالضرورة توزيع الموارد والسلطة داخل القطاع الحكومي. تقوية مجالس الإدارات وربط الأداء بالمساءلة قد يفضي إلى قرارات صعبة مثل تقليص العمالة الزائدة أو إعادة ترتيب العقود والامتيازات التي نشأت في ظل ترتيبات سابقة. لذلك فإن نجاح الإصلاح لا يتوقف فقط على جودة التصميم المؤسسي، بل أيضاً على قدرة الدولة على إدارة كلفته السياسية والاجتماعية، وبناء توافق تدريجي حول أهدافه ومساراته. يجب ان يعي رئيس الوزراء هذا الامر جيدا.
حل مجالس الإدارات قد يبدو كتحرك جذري، لكنه في جوهره يخلق فراغاً مؤسسياً أكثر مما يحقق إصلاحاً نهائياً. ما سيملأ هذا الفراغ هو ما سيحدد اتجاه المرحلة المقبلة: إما إعادة بناء قواعد الحوكمة على أسس من المساءلة والانضباط، أو إعادة تدوير نفس الشبكات ضمن ترتيبات جديدة. بين هذين المسارين يتحدد ما إذا كانت هذه اللحظة ستُذكر كنقطة تحول في إدارة القطاع الحكومي، أم كحلقة إضافية في تاريخ طويل من الإصلاحات غير المكتملة..
