خلف الجدران.. صحفية صمدت أمام الحرب وخذلها الرفاق
بقلم هنادي عبدالطيف.. “خلف جدران شرق النيل.. صحفية صمدت أمام الحرب وخذلها الرفاق”.. في مهنة البحث عن المتاعب، اعتدنا أن نكون صوت من لا صوت له، بل ومنبرا لا منبر له وأن ندافع عن المظلومين والمنسيين لكن المؤلم حقاً هو أن يجد الصحفي نفسه “منسياً” أو “مُسقطاً” من حسابات زملائه، ليس في معركة فكرية أو مهنية، بل في لحظة إنسانية تستوجب التكاتف والدعم.
كيس الصائم
لقد قرأنا بأسى ما خطّته الزميلة تهاني النميري، وهي تصف بمرارة استبعاد اسمها من قائمة الصحفيين العالقين في منطقة شرق النيل المستحقين للدعم (كيس الصائم). كلماتها لم تكن عتاباً على “طرد أو سلة غذاء”، بل كانت صرخة ضد ثقافة الإقصاء التي بدأت تتفشى حتى في أسمى صور التكافل الاجتماعي بين أبناء المهنة الواحدة.
عندما يصبح “التقدير” أهم من “المعونة”
ما تعرضت له الزميلة تهاني، وهي التي قضت ثلاث سنوات تحت نيران الحرب، تصارع المرض والجوع وتستقبل بشائر النصر بـ “زغرودة” صمود، يعكس خللاً عميقاً في معايير التقييم والزمالة.
تجاهل وجود صحفية مرابطة في الميدان بحجة “عدم التغطية” – وهي التي كانت تصارع الموت مرضاً وجوعاً – هو نوع من اغتيال الذاكرة المهنية.
ذاكرة المكان
الصحفي ليس فقط من يحمل كاميرا أو قلماً في لحظة معينة، بل هو ذاكرة المكان وصموده. تهاني كانت هناك عندما غاب الكثيرون، وجاهدت لتوفير الخدمات للمواطنين قبل أن تفكر في نفسها.
قوائم مغلقة
إن حصر الدعم في “قوائم مغلقة” أو معايير إقصائية تخضع لأهواء القائمين عليها، يحوّل العمل النقابي والاجتماعي من رسالة سامية إلى وسيلة لتصفية الحسابات أو ممارسة “الاستعلاء المهني” “المسألة ليست سلة أبداً، إنما تقدير للآخرين وليس أكل لحم بعضهم بعضاً”
تهاني النميري
هذه الجملة تلخص جوهر الأزمة؛ فالصحفي الذي يواجه ويلات الحرب يحتاج إلى أن يشعر بأن ظهره مسنود بزملائه، وأن تضحياته مرئية ومقدرة، لا أن يُفاجأ بأن اسمه قد “سقط سهواً” أو “عمداً” من قوائم الانتماء.
معايير الشفافية
إننا ندعو من خلال هذا الاسطر إلى:
نبذ الإقصاء: يجب أن تُبنى قوائم الدعم والمساندة على معايير الشفافية والمسح الميداني الحقيقي، بعيداً عن الشللية.
الاعتذار والاحتواء: إنصاف الزميلة تهاني النميري وغيرها ممن سقطت أسماؤهم هو واجب أخلاقي قبل أن يكون مهنياً، وحدة الصف: الحرب لم تترك لنا ترف الانقسام؛ فإذا لم يسند الصحفي أخاه الصحفي في هذه الظروف القاسية، فمن سيفعل؟
ختاماً..
إن كيس الصائم يذهب ويفنى، ولكن المواقف تبقى محفورة في الوجدان. دعونا لا نجعل من “الفتات” سبباً لتمزيق نسيجنا المهني، ولتكن بوصلتنا دائماً هي “الزمالة الحقة” التي لا تستثني أحداً، خاصة أولئك الذين دفعوا ثمن الصمود من عافيتهم وراحتهم.
