بقلم تسغاب أمار – السودان كاستراتيجية: قطيعة السعودية مع نظام الوكلاء في البحر الأحمر – مع دخول الحرب الأهلية في السودان عامها الألف، تجاوز الصراع بشكل حاسم جذوره الداخلية. فما بدأ في أبريل 2023 كصراع على السلطة بين النخب العسكرية المتنافسة، تحوّل إلى ساحة مركزية لإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي في الشرق الأوسط وحوض البحر الأحمر لم يعد السودان مجرد بؤرة انهيار داخلي، بل أصبح مسرحاً استراتيجياً تُختبر فيه نماذج متنافسة للنظام الإقليمي من خلال تمويل التسلح، والسيطرة اللوجستية، وتعبئة المرتزقة، وإدارة الوكلاء.
تمويل من السعودية
ويتمثل جوهر هذا التحول في إبرام اتفاقية دفاعية بقيمة 1.5 مليار دولار بين باكستان والقوات المسلحة السودانية، والتي حظيت بتغطية إعلامية واسعة، بتيسير سياسي وربما تمويل من السعودية.
تفكك ما دون الدولة
عند النظر إلى هذه الصفقة في سياق تراجع النفوذ الإماراتي المدعوم بالوكالة في اليمن، وتوطيد التحالف الأمني بقيادة السعودية على البحر الأحمر، يتضح أنها تتجاوز مجرد نقل أسلحة؛ إذ تُشير إلى تحول حاسم في حسابات الرياض الدبلوماسية والعسكرية، مُنهيةً بذلك حقبة الهيمنة التعاونية مع الإمارات العربية المتحدة، ومُبشّرةً بسياسة خارجية سعودية أكثر حزمًا، تتمحور حول الدولة، وتهدف إلى حماية البحر الأحمر من الآثار المُزعزعة للاستقرار الناجمة عن تفكك ما دون الدولة.
الاستنزاف المالي
لا يُمكن فهم الحرب السودانية على أنها صراع بالوكالة فحسب، بل إن جذورها تكمن في انهيار السوق السياسية السودانية، وهو نظامٌ كانت فيه السلطة تُحافظ عليها من خلال التوزيع التنافسي للأراضي والذهب والقوة القسرية. وعندما أدى الاستنزاف المالي وتفكك النخب إلى جعل هذا النظام غير قابل للاستمرار، حلّ العنف محلّ المساومة.
فرض سلطة عسكرية مركزية
تعكس الحرب الحالية اتساع الفجوة بين السعودية والإمارات العربية المتحدة حول طبيعة النظام الإقليمي. تنظر الرياض إلى انهيار سلطة الدولة المركزية كتهديد مباشر، خشية أن يؤدي تفكك دول مثل السودان واليمن إلى خلق مناطق فوضى مستدامة على حدودها. ونتيجة لذلك، تُفضّل السياسة السعودية الأنظمة القائمة التي تتمحور حول الدولة، وإعادة فرض سلطة عسكرية مركزية في الدول المجاورة.
العابرة للحدود والمرتبطة بالخليج
في المقابل، انتهجت الإمارات استراتيجية قائمة على قبول المخاطر، ترتكز على استقطاب جهات فاعلة غير حكومية أو شبه حكومية تعتمد على الدعم الإماراتي. يُمكّن هذا النهج من بسط النفوذ بسرعة، ولكنه ينطوي على تكاليف باهظة على المدى الطويل. في السودان، يبرز التباين بشكل حاد، مع تزايد الأدلة على أن قوات الدعم السريع تعمل كوكيل عسكري ومحور اقتصادي في آنٍ واحد، ضمن شبكات الذهب والخدمات اللوجستية العابرة للحدود والمرتبطة بالخليج. وهكذا أصبح السودان بؤرةً تتصادم فيها رؤى متنافسة للسيادة والتشرذم، مما يُعمّق التوترات العربية الداخلية ويُعيد تشكيل هياكل التحالفات.
قدرات القوات المسلحة السودانية
وتُمثّل حزمة الدفاع المُعلن عنها بين باكستان والسودان تحولاً نوعياً في الحرب. ووفقاً لمصادر إقليمية، تشمل الصفقة طائرات الهجوم الخفيف K-8، وطائرات التدريب سوبر مشاك، وطائرات الاستطلاع المسيّرة، وذخائر التسكع، وربما مقاتلات JF-17 ثاندر متعددة المهام. وفي حال إتمامها، ستُعزّز هذه الحزمة بشكلٍ كبير قدرات القوات المسلحة السودانية الجوية والاستطلاعية، مُعالجةً بذلك إحدى نقاط ضعفها العملياتية المُستمرة.
الإعلان عن الصفقة.
ويُعدّ دور المملكة العربية السعودية محورياً. وتشير التقارير إلى أن الرياض توسطت في الاتفاق، حيث زار قائد القوات الجوية الباكستانية المملكة لمناقشة التعاون الدفاعي والوضع الأمني الإقليمي قبيل الإعلان عن الصفقة.
تصاريح دول ثالثة
في الوقت نفسه، يُزعم أن المملكة العربية السعودية اتخذت إجراءات لعرقلة سلاسل إمداد قوات الدعم السريع بإغلاق مجالها الجوي أمام طائرات الإمارات المتجهة إلى قاعدة الكفرة الجوية جنوب ليبيا. لطالما اعتُبرت الكفرة مركزًا لوجستيًا لتهريب الأسلحة والمعدات والأفراد إلى غرب السودان. سيفرض منع التحليق قيودًا تشغيلية كبيرة على مسارات النقل الجوي المرتبطة بالإمارات، مما يُجبرها على اللجوء إلى بدائل أطول وأكثر عرضة للخطر، ويزيد من اعتمادها على تصاريح دول ثالثة.
السيطرة على المجال الجوي كأداة قسرية
بالإضافة إلى ذلك، يُغلق إنهاء الإمارات لوجودها في الصومال فعليًا الجناح الشرقي لشبكة الإمداد الإماراتية. في أعقاب مزاعم استخدام موانئ مثل بوصاصو وبربرة كـ”منافذ خلفية” لتهريب المعدات إلى قوات الدعم السريع، يُكمل إلغاء مقديشو لجميع الاتفاقيات الأمنية والبحرية، وما تبعه من فرض حظر طيران صارم، عملية تطويق استراتيجية. تُشير هذه التحركات إلى تحول من الوساطة إلى الاحتواء الاستراتيجي، وتُبرز السيطرة على المجال الجوي كأداة قسرية في السياسة الخارجية.
عززت تركيا التنسيق الهادئ
يشكل هذا القرار جزءًا من نمط أوسع. فقد صعّدت مصر تدخلها بضرب خطوط إمداد مرتبطة بقوات الدعم السريع على طول حدودها. وقبل أيام من زيارة رفيعة المستوى قام بها صدام حفتر إلى القاهرة، أفادت التقارير أن القوات الجوية المصرية قصفت قافلة عسكرية كانت تدخل السودان من جنوب شرق ليبيا. استهدفت هذه الضربة شريانًا لوجستيًا حيويًا يُستخدم غالبًا لتهريب الأسلحة والوقود الإماراتي عبر ممر الكفرة-دارفور. في الوقت نفسه، عززت تركيا التنسيق الهادئ مع الخرطوم لدعم القوات المسلحة السودانية.
الممرات البحرية
تشير هذه الإجراءات مجتمعة إلى ظهور تحالف غير رسمي على البحر الأحمر يهدف إلى الحد من انتشار الجماعات المسلحة غير الحكومية على طول الممرات البحرية والتجارية الحيوية.
الطائرات الجديدة والدعم الاستخباراتي
لقد أصبح الصراع السوداني مختبرًا لأساليب الحكم القسري الحديثة. إذ تُشكّل القوى الإقليمية النتائج من خلال تمويل التسلح، ومنع الوصول إلى المجال الجوي، وقطع الإمدادات اللوجستية، والضغط الاقتصادي، بدلًا من النشر المباشر للقوات. وتعكس قدرات القوات المسلحة السودانية المتنامية في مجال الطائرات المسيّرة، إلى جانب الطائرات الجديدة والدعم الاستخباراتي الخارجي، هذا النموذج المتطور للحرب.
مقاتلين أجانب
ستسعى قوات الدعم السريع إلى التعويض من خلال الاحترافية، بما في ذلك تجنيد مقاتلين أجانب وخبراء فنيين. هذه الجهود مكلفة وعرضة بشكل متزايد لانقطاع سلاسل الإمداد.
أنظمة المحسوبية المتنافسة
توفر صفقة الأسلحة بين باكستان والسودان للقوات المسلحة السودانية سبيلاً للبقاء وربما لترسيخ سيطرتها على الأراضي، لكنها في الوقت نفسه ترسخ مخرجاً عسكرياً من الانهيار السياسي بالنسبة للقرن الأفريقي، يكمن الخطر الأكبر في تطبيع التفتيت المُدار خارجياً. إذا ما ترسخ التقسيم الفعلي للسودان في ظل أنظمة المحسوبية المتنافسة، فقد يصبح نموذجاً للصراعات المستقبلية.
حالة دائمة لاضطراب جديد
لذا، يجب أن تكون أولوية المؤسسات الإقليمية هي تعزيز القدرة التفاوضية الجماعية. فبدون مشاركة منسقة من خلال آليات مثل الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد)، يُخاطر السودان بأن يصبح أول حالة دائمة لاضطراب جديد تُصان فيه السيادة أو تُهدم بشكل انتقائي من قِبل جهات خارجية. السودان اليوم ليس مجرد ساحة معركة؛ بل هو إشارة تحذير لنظام إقليمي يتشكل بشكل متزايد بفعل السيادة الانتقائية والتفتيت المُدار.
المصدر مجلة القرن الأفريقي
