مصطفى البطل يكتب- أساتذة جامعة الخرطوم- وظيفة بلا حضور.. وراتب بلا عمل
مصطفى عبدالعزيز البطل يكتب- أساتذة جامعة الخرطوم- وظيفة بلا حضور.. وراتب بلا عمل- اطلعتُ مؤخراً على خطاب استقالة من الخدمة تقدّم به أحد المحاضرين بكلية الغابات بجامعة الخرطوم موجهاً إلى مدير الجامعة، وقد حرص الرجل على تعميمه على نطاق واسع عبر المنصات الاعلامية وكأنه أنطونيو غوتيرش يعلن استقالته من منصب الأمين العام للأمم المتحدة.
المدهش أن الرجل جعل على رأس أسباب استقالته احتجاجه ورفضه لقرار إدارة الجامعة استئناف الدراسة وعودة الأساتذة إلى ممارسة عملهم في الكليات المختلفة. أي أن فتح أبواب الجامعة، وعودة الدراسة، واستئناف العملية التعليمية، أصبحت في عرف صاحبنا أسباباً تستوجب الاستقالة!
لكن المفارقة الأكبر أن التهديد بالاستقالة، احتجاجاً على قرار الجامعة استئناف نشاطها، يبدو أنه يتحول إلى بدعة جديدة بين بعض أساتذة جامعة الخرطوم.
فالسادة الأساتذة منتشرون في أرجاء العالم، من نيوزيلندا إلى الولايات المتحدة وكندا، ومن أوروبا إلى دول الخليج العربي، وقد استقر بهم المقام هناك. ويبدو أن مجرد احتمال أن تستأنف الجامعة نشاطها، وتطالبهم بالعودة إلى مقار عملهم، يسبب لهم قدراً من الضيق لا يحتمل!
ولكن الأمر لا يتوقف هنا، فهناك المزيد من البدع: صدق او لا تصدق، السادة الأساتذة لا يريدون العودة إلى العمل، وفي الوقت نفسه لا يريدون أن تتوقف رواتبهم. أي والله!
يريدون الجامعة مفتوحة ولكن من دون أن يعودوا إليها، ويريدون الاحتفاظ بوظائفهم ولكن من دون أداء واجباتها. ويريدون استمرار مرتباتهم وامتيازاتهم ولكن من دون حضور أو عمل!
وبعبارة أكثر مباشرة: غياب اختياري، وراتب إجباري، ووظيفة دائمة بلا حضور! ولا أدري إن كان هذا النموذج قد دُرّس في كليات الإدارة والاقتصاد، أم أنه اكتشاف سوداني جديد يستحق أن يُضاف إلى المناهج الجامعية!
أنصحك، هداك الله، بقراءة بيان صادر عن اجتماع جاء في متنه انه حضره ٩٠ من الأساتذة المحترمين بعنوان: «مخرجات الاجتماع الثالث لأساتذة كلية الطب بجامعة الخرطوم»، صدر في الثالث من سبتمبر الجاري. والمقصود هنا اجتماع إسفيري جمع الأساتذة، وهم موزعون في أركان الدنيا الأربعة، ليتداولوا في موقفهم من قرارات إدارة الجامعة باستئناف الدراسة.
من بين مقررات الاجتماع ومطالبه بند يقول: “يؤكد الاجتماع على ضرورة إلغاء ووقف أي إجراء متعلق بعدم الحضور”!
وهذا، لمن قد يواجه صعوبة في فك طلاسم العبارة، يعني أن الأستاذ أمام خيارين متساويين تماماً: إذا حضر إلى عمله فخير وبركة، وإذا لم يحضر فلا تثريب عليه. وفي كلتا الحالتين يستمر راتبه وامتيازاته، ولا يحق لإدارة الجامعة أن تتخذ بحقه أي إجراء بسبب غيابه!
فالأستاذ، وفقاً لهذه المعادلة العجيبة، يملك أن يحضر أو لا يحضر، بينما تظل الجامعة ملزمة بدفع راتبه في الحالتين. أما مساءلته عن الغياب، أو اتخاذ أي إجراء إداري بحقه، فتبدو جريمة لا يجوز للإدارة حتى التفكير فيها!
وهكذا تنقلب المعادلة رأساً على عقب: يصبح الحضور إلى العمل خياراً شخصياً والغياب حقاً مكتسباً، والراتب التزاماً ثابتاً على المؤسسة، بينما أداء الوظيفة نفسها يتحول إلى بند ثانوي غير ذي أهمية!
والحق أنني، طوال سنوات عملي في أجهزة الخدمة العامة داخل السودان وخارجه، لم أسمع بما يوازي هذا القدر من الجبروت المطلبي. فقد عرفتُ موظفين يطالبون بتحسين شروط الخدمة، وأساتذة يطالبون بزيادة الأجور، وعاملين يحتجون على قرارات إداراتهم، لكنني لم أسمع من قبل عن موظف يقول لجهة عمله: لن أعود إلى العمل، ولا أريد لجهة العمل أن تفتح أبوابها، ولا يجوز لها، مع ذلك، أن توقف راتبي!
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يُطرح هنا ليس: لماذا تريد إدارة جامعة الخرطوم استئناف الدراسة؟ السؤال الأهم هو: متى أصبح الحضور إلى العمل واجباً اختيارياً؟ ومتى أصبح الغياب حقاً لا يجوز مساءلة صاحبه عنه؟! ومتى أصبح الراتب حقاً مستقلاً عن أداء العمل؟!
إهتمامي ببدع اساتذة جامعة الخرطوم ما زال قائماً، وسأعود الى المزيد منها بعد ان اكمل مطالعة قائمة المطالب والتهديدات!
