مصطفى عبدالعزيز البطل يكتب- يحدثونك عن الفساد

0

مصطفى عبدالعزيز البطل يكتب- يحدثونك عن الفساد- على قيادة الجيش والدولة أن تدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث في مثل هذا الظرف الدقيق من تاريخ السودان ليس مجرد انتشار أحاديث هنا وهناك عن الفساد، وإنما أن تتحول هذه الأحاديث إلى قناعة عامة بأن الفساد أصبح جزءاً من طريقة إدارة الدولة والاقتصاد.

 

لذلك لا ينبغي أن تسمح بأن تتسع دائرة الهمس والتناقل، وأن تتطور من التداول الخفي إلى الاتهام والتداول العلني دون أن تقابلها إجراءات جادة وشفافة للتحقق والمحاسبة، فاستشراء مثل هذه الروايات، أياً كان نصيبها من الصحة، يضرب الروح المعنوية للمواطن الملتزم في مقتل، ويغذي حالة الإحباط، ويقوض الثقة في مؤسسات الدولة، في وقت أحوج ما تكون فيه البلاد إلى التماسك واليقين.

 

ومن هذا المنطلق، لربما آن الأوان لإعادة النظر بجدية في احتكار منظومة الصناعات الدفاعية، التابعة للقوات المسلحة، لمساحات واسعة من النشاط الاقتصادي والتجاري في البلاد، بحيث تُفتح هذه المجالات أمام قدر أكبر من التنافس الحر، وألا تبدو المناشط والصفقات الحكومية وكأنها تدور في فلك أسماء محددة وشخصيات بعينها.. فحتى عندما لا يكون هناك فساد فعلي فإن غياب الشفافية وتركيز النشاط الاقتصادي في أيدي دوائر محدودة أو أفراد بأعينهم يخلق بيئة خصبة للشكوك والشائعات، ويضعف ثقة الرأي العام في الدولة ومؤسساتها.

 

وربما جاز أيضاً إجراء مراجعات موضوعية ومستقلة لأداء الوزارات التي أُسندت، بموجب اتفاقية جوبا إلى الحركات الدارفورية المسلحة، وتكليف ديوان المراجع العام بإجراء تدقيق مهني وشامل في أوجه الإنفاق والتعاقدات والتصرف في المال العام داخل المؤسسات والهيئات التابعة لهذه الوزارات بعد أن طفح كيل القيل والقال، وبلغ السيل الزبى، ولم يعد من المقبول أن تظل كل هذه الأحاديث معلقة بين النفي والإثبات، من دون أن تتولى جهات مختصة في الدولة مهمة الفصل فيها بالوثائق والأرقام ونتائج المراجعة!

 

من جانبنا، لا نوجه اتهاماً بالفساد إلى شخص بذاته، ولا إلى جهة بعينها، ولا نزعم أو نتبنى صحة كل ما يُتداول في هذا الشأن. لكننا نعتقد بأن غضّ الطرف عن سيل الأخبار والروايات، وما يتردد من همزٍ ولمزٍ حول من يُقال إنهم أثروا وراكموا ثروات طائلة عبر الاحتكار والصفقات الحكومية التي تُدار في الخفاء، أو من خلال الفساد المباشر والتلاعب بالمال العام، سيكون خطأً بالغ الخطورة.

 

انتشار الفساد، أو حتى مجرد الاعتقاد بانتشاره، لا يبقى شأناً خاصاً بأصحابه، إذ سرعان ما يتحول إلى أزمة ثقة في الدولة نفسها. ولذا فإن أفضل دفاع عن الدولة وقيادتها ليس إنكار الاتهامات بالصوت العالي، ولا مطاردة من يتحدث عنها، وإنما فتح الملفات ومراجعة الحسابات وإعلان الحقائق للرأي العام.

 

وإذا تُركت هذه الروايات تتراكم وتتسع في غياب إرادة حاسمة، فإنها ستُلحق بالوطن كله أفدح الأضرار، وسترتد، قبل غيرها، على قيادة الدولة والقائمين على شؤونها، وستغصّ بها حلوقهم!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.