د. رجاء عبدالله حمد الزبير تكتب- الحدود السودانية – التشادية وحق السودان في الدفاع الشرعي
بقلم- د. رجاء عبدالله حمد الزبير- التشادية وحق السودان في الدفاع الشرعي: قراءة قانونية في ضوء المادتين 2/4 و51 من ميثاق الأمم المتحدة: أعاد البيان الصادر عن رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي في 26 أغسطس 2026 بشأن التطورات على الحدود السودانية– التشادية طرح عدد من المسائل القانونية المهمة، خاصة في أعقاب الغارات الجوية التي وقعت في 20 أغسطس داخل إقليم إنيدي الشرقي في الأراضي التشادية.
وأكد البيان تمسك الاتحاد الأفريقي باحترام سيادة الدول ووحدتها وسلامة أراضيها وحرمة حدودها، ودعا إلى ضبط النفس ومنع امتداد النزاع السوداني إلى دول الجوار، وتعزيز التعاون وأمن الحدود وتفادي الحوادث العابرة للحدود.
ولا خلاف على أن احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها يمثل أحد المبادئ الأساسية في القانون الدولي، غير أن تقييم أي استخدام للقوة يقع داخل إقليم دولة أخرى لا ينبغي أن يقتصر على مكان وقوع العمل العسكري، وإنما يتطلب النظر في الوقائع التي سبقته، وطبيعة الخطر الذي تعرضت له الدولة، والجهة المسؤولة عنه، ومدى توافر شروط الدفاع الشرعي.
فالمادة 2/4 من ميثاق الأمم المتحدة تقرر القاعدة العامة التي تحظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأية دولة، وفي المقابل تعترف المادة 51 بالحق الطبيعي للدول في الدفاع عن نفسها، فرادى أو جماعات، إذا وقع عليها هجوم مسلح، مع التزام الدولة التي تمارس هذا الحق بإبلاغ مجلس الأمن فوراً بالتدابير التي اتخذتها.
ومن هنا، فإن السؤال القانوني لا يقتصر على: هل يجوز للسودان استخدام القوة داخل أراضي دولة أخرى؟ وإنما يمتد إلى أسئلة أكثر تحديداً: هل تعرض السودان لهجوم مسلح يجيز له ممارسة حق الدفاع الشرعي؟ ومن هي الجهة المسؤولة عن هذا الهجوم؟ وهل يمكن إسناده إلى دولة أخرى؟ وهل كان استخدام القوة ضرورياً ومتناسباً مع الهجوم أو الخطر الذي استهدف السودان؟
وتدخل هذه المسائل في نطاق Jus ad bellum، أي القواعد التي تحكم مشروعية اللجوء إلى القوة في العلاقات الدولية،وفي هذا السياق تبرز مسألة استخدام الأراضي التشادية في نقل الأسلحة أو المقاتلين أو تقديم الإمداد العسكري لقوات الدعم السريع المتمردة، وما إذا كان لهذا الدعم صلة مباشرة بالعمليات العسكرية التي نفذتها قوات الدعم السريع داخل السودان.
وقد أرست محكمة العدل الدولية، في قضية الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا ، تمييزاً مهماً بين مجرد تقديم الأسلحة أو الدعم اللوجستي للجماعات المسلحة وبين الأعمال التي قد ترقى إلى مستوى «الهجوم المسلح». فمجرد تزويد جماعة مسلحة بالسلاح أو الدعم لا يعني، في ذاته، أن الدولة الداعمة شنت هجوماً مسلحاً على الدولة المتضررة، بينما يمكن لأعمال أكثر مباشرة وخطورة، بحسب طبيعتها وحجمها وآثارها، أن تدخل في نطاق الهجوم المسلح.
وعليه، فإن ثبوت مرور الأسلحة والمقاتلين عبر الأراضي التشادية إلى قوات الدعم السريع لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد واقعة عابرة للحدود، ولا سيما إذا ثبتت صلته بعمليات عسكرية ارتكبت خلالها قوات الدعم السريع انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان. وقد وثقت جهات ومنظمات بحثية دولية متعددة، بما في ذلك مركز أبحاث جامعة ييل، أنماطاً واسعة من الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في مناطق النزاع. ومن ثم، فإن إثبات مسارات الإمداد العسكري وحجمها وطبيعتها، ومدى علم السلطات التشادية بها أو تسهيلها لها، وعلاقتها الزمنية والعملياتية بالهجمات والانتهاكات المرتكبة داخل السودان، يمثل عنصراً مهماً في التقييم القانوني الشامل لمسؤولية الأطراف المتورطة.
ومع ذلك، فإن هذه الوقائع، على أهميتها، لا تكفي وحدها تلقائياً لإسناد الهجمات المسلحة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع إلى الدولة التشادية أو لاعتبارها هجوماً مسلحاً صادراً عنها؛ إذ يظل ذلك رهناً بإثبات درجة مشاركة الدولة أو تدخلها ومدى إمكانية إسناد الأفعال إليها وفقاً لقواعد القانون الدولي، غير أن ثبوت تقديم دعم عسكري بصورة منهجية، مع العلم باستخدامه في تنفيذ هجمات وانتهاكات جسيمة ضد السودان ومواطنيه، يكتسب أهمية خاصة عند تقييم مدى مسؤولية الدولة الداعمة وطبيعة تدخلها في النزاع.
أما إذا ثبتت مشاركة مباشرة لقوات تشادية في أعمال مسلحة ضد السودان، أو توافرت عناصر قانونية كافية لإسناد تلك الأعمال إلى الدولة التشادية، فإن الأساس القانوني للبحث في حق السودان في الدفاع الشرعي يصبح أكثر جدية، ولا سيما إذا توافرت بقية شروط الدفاع الشرعي المقررة في القانون الدولي.
ويطرح الدعم الخارجي لقوات الدعم السريع كذلك مسألة أخرى تتعلق بالتكييف القانوني للنزاع السوداني فالنزاع، من حيث أصله، يُعد نزاعاً مسلحاً غير دولي، غير أن تدخل دولة أجنبية بصورة مباشرة في الأعمال العدائية، إذا بلغ المستوى الذي يجعلها طرفاً في النزاع، قد يؤدي إلى نشوء نزاع مسلح دولي بين تلك الدولة والسودان، أو إلى تعدد الأطر القانونية المنطبقة على النزاع بحسب طبيعة العلاقات بين الأطراف.
أما مجرد الدعم السياسي أو المالي أو العسكري لجماعة مسلحة، فلا يؤدي تلقائياً إلى تدويل النزاع، وإنما يتوقف التكييف القانوني على طبيعة التدخل ومداه، وعلى الوقائع والأدلة المتاحة، وعلى مدى ارتباط هذا الدعم بالأعمال العدائية التي تجري على الأرض.. وفي جميع الأحوال، فإن حق الدفاع الشرعي ليس تفويضاً مفتوحاً لاستخدام القوة. فالضرورة والتناسب يمثلان من القيود الأساسية على ممارسة هذا الحق في إطار Jus ad bellum.
فالضرورة تقتضي أن يكون استخدام القوة لازماً لمواجهة الهجوم المسلح، وألا يتحول إلى مجرد عمل انتقامي أو عقابي أما التناسب فيتعلق بمدى ارتباط القوة المستخدمة بالغرض الدفاعي المشروع، وألا تتجاوز ما تقتضيه مواجهة الهجوم.
وهنا يجب التمييز بدقة بين التناسب في Jus ad bellum والتناسب في Jus in bello، أي القواعد التي تحكم سير العمليات العسكرية أثناء النزاع المسلح، فهما معياران قانونيان مختلفان؛ فقد يكون اللجوء إلى القوة مشروعاً من حيث الأصل، ومع ذلك تشكل طريقة تنفيذ عملية عسكرية معينة خرقاً للقانون الدولي الإنساني، كما أن مخالفة قواعد سير العمليات العسكرية لا تعني بالضرورة، بذاتها، أن أصل اللجوء إلى القوة كان غير مشروع.
ويُعد مبدأ التناسب في الهجوم من قواعد القانون الدولي الإنساني، وينطبق في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية. وقد نصت المادة 51/5/ب من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 على حظر الهجمات التي يُتوقع أن تسبب خسائر عرضية في أرواح المدنيين أو إصابات بهم أو أضراراً بالأعيان المدنية تكون مفرطة بالنسبة إلى الميزة العسكرية المباشرة والملموسة المتوقعة. كما تضمنت المادة 57 مجموعة من الاحتياطات الواجب اتخاذها أثناء التخطيط للهجمات وتنفيذها.
وعليه، فإن وجود هدف عسكري مشروع، على فرض ثبوته، لا يعني تلقائياً مشروعية الضربة، فإذا ثبت أن الغارات داخل الأراضي التشادية استهدفت أفراداً أو معدات أو مواقع تشكل جزءاً مباشراً من عمليات عسكرية ضد السودان، فإن ذلك يثير مسائل قانونية تتعلق بطبيعة الهدف، والضرورة العسكرية، والتناسب، والاحتياطات الممكنة لتقليل الضرر الذي قد يلحق بالمدنيين.
أما إذا كان استهداف الأراضي التشادية قد تم لمجرد معاقبة الدولة التشادية على موقف سياسي، أو لمجرد تقديمها دعماً لطرف في النزاع دون أن يشكل ذلك أساساً لهجوم مسلح يمكن نسبته إليها، فإن تبرير استخدام القوة على أساس الدفاع الشرعي يصبح أكثر صعوبة.
ومن المهم كذلك ألا ينحصر التقييم القانوني في الحادثة العسكرية الأخيرة بمعزل عن الوقائع التي سبقتها. فإذا ثبت، بالأدلة، استخدام الأراضي التشادية في نقل الأسلحة أو المقاتلين أو الإمدادات العسكرية التي استُخدمت في تنفيذ عمليات مسلحة ضد السودان، فإن هذه الوقائع ينبغي أن تكون جزءاً من أي تقييم قانوني متكامل للحوادث الحدودية.
كما ينبغي بحث طبيعة الدور الذي قامت به السلطات التشادية، إن ثبت، ومدى علمها بمسارات الإمداد وأهدافها، وما إذا كان الأمر يتعلق بمجرد عدم القدرة على منع نشاط جماعات أو شبكات تعمل داخل الإقليم، أم بتسهيل أو دعم متعمد للعمليات العسكرية فهذا التمييز له أهمية أساسية عند بحث المسؤولية الدولية للدولة.
وفي المقابل، فإن احترام سيادة تشاد وسلامة أراضيها لا يتعارض من حيث المبدأ مع الاعتراف بحق السودان في الدفاع عن نفسه متى توافرت شروطه القانونية، كما أن ممارسة السودان لحق الدفاع الشرعي، إذا ثبت قيامه، لا تعفيه من الالتزام الكامل بقواعد القانون الدولي الإنساني أثناء تنفيذ العمليات العسكرية ومن ثم، فإن التقييم القانوني السليم للتطورات على الحدود السودانية–التشادية ينبغي أن ينطلق من مجموعة من الأسئلة المترابطة.
هل وقع هجوم مسلح على السودان؟ ومن المسؤول عنه؟ وهل يمكن إسناده إلى دولة أخرى؟ وهل استوفى السودان شروط الدفاع الشرعي؟ وهل كان استخدام القوة ضرورياً ومتناسباً في إطار Jus ad bellum؟ وهل احترمت العمليات العسكرية قواعد (Jus in bello)، ولا سيما مبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة يجب أن تستند إلى الوقائع والأدلة، لا إلى المواقف السياسية وحدها، فالموقع الجغرافي للعمل العسكري لا يكفي وحده للحكم على مشروعيته، كما أن وجود دعم أو إمداد عابر للحدود لا يكفي، بذاته، لإثبات مسؤولية الدولة، وفي الوقت نفسه، فإن ثبوت الدعم العسكري المنهجي، وعلاقته المباشرة بالعمليات المسلحة والانتهاكات الجسيمة المرتكبة داخل السودان، يمثل واقعة قانونية وسياسية لا يمكن تجاهلها عند تقييم مسؤولية الأطراف وتداعيات النزاع على الأمن الإقليمي.
ومن هنا، فإن المعالجة القانونية المتوازنة للحوادث الحدودية لا تقتضي تجاهل مبدأ سيادة تشاد وسلامة أراضيها، ولا تستلزم في المقابل إغفال حق السودان في حماية أمنه ومواجهة أي هجوم مسلح يتعرض له. وإنما تقتضي إخضاع الوقائع لقواعد ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي الإنساني، والتمييز بين مسؤولية الدولة، ومسؤولية الجماعات المسلحة، ومشروعية اللجوء إلى القوة، ومشروعية طريقة استخدامها.
وفي النهاية، فإن احترام القانون الدولي لا ينبغي أن يكون انتقائياً؛ فكما أن سيادة الدول وسلامة أراضيها تستحق الحماية، فإن حق الدول في الدفاع عن نفسها، وحماية المدنيين، ومساءلة مرتكبي الانتهاكات، كلها مبادئ متكاملة لا يجوز فصل بعضها عن بعض.
