الحكومة البريطانية تفرض عقوبات على “أبو ذر” و”مازن” لعلاقتهم بالذهب السوداني من هما؟
كتب- عزمي عبد الرازق- “أبو ذر” و”مازن” في مسارات غسيل وتهريب الذهب لصالح ميليشيا الدعم السريع.. من هو الفيل؟- فرضت الحكومة البريطانية اليوم عقوبات على شركات حكومية وشبكات ذهب أيضاً تعمل لصالح قوات التمرد، لتكشف مجدداً عن طريقة تعاطي القوى الغربية مع الملف السوداني، من خلال فرض عقوبات تشبه من يطارد الظل ويترك الفيل أو بالأحرى الكفيل، إذ تلاحق، كما يبدو، خيوط الظل وهوامش اللعبة، وتغض الطرف عن الممول الإقليمي الأكبر، والراعي الفعلي للمليشيا.
تتجاوز خطورة المدعو أبو ذر عبد النبي حبيب الله أحمد فكرة الميسر المالي التقليدي للمليشيا، فهو يمثل رأس الجسر اللوجستي العابر للحدود، والمكلف بمهمة حساسة، تحويل الذهب المستخلص من عرق الجياع في مناطق النزاع إلى سيولة دولارية تتدفق مباشرة في بندقية التمرد.
وتحدث خطة الالتفاف عبر غطاء عقاري ذكي في أسواق دبي، نشطت شركة “Prodigious Real Estate Management” كواجهة تجارية مشبوهة، وهى بالضبط واجهة لغسيل أموال المعادن النفيسة وتحويلها بعيداً عن الرقابة إلى حسابات ما يُسمى “صندوق دعم الإيرادات” الخاص بميليشيا الدعم السريع، ليصبح العقار الفاخر في الخليج ستاراً يحجب دماء الضحايا في دارفور وكردفان.
بمحاذاة الذراع المالية لـ “أبو ذر”، يبرز ثنائي المشتريات اللوجستية مازن فضل الله ومعه أحمد هاشم، ليمثلا معاً الجناح الديناميكي المسؤول عن جلب المعدات، الإمدادات الحساسة، وتقنيات الاتصال من الأسواق العالمية وتمريرها تحت مسميات تجارية مدنية براقة لإبعاد الشبهات الأمنية.
ناتويست لوجستك Natwest Logistics شركة شحن في الإمارات، وفقاً للحكومة البريطانية، نُظمت عبرها مسارات نقل الإمدادات وسلسلة التوريد الحيوية للمليشيا. إلى جانب “عون للوساطة التجارية”، وهى المحطة المالية السريعة التي وظفها “مازن” ورفيقه لتخليص صفقات الشراء وتمرير التحويلات المالية الساخنة خارج الرادار البنكي التقليدي.
كما أن الأموال التي يديرها ويغسلها “أبو ذر” ورفاقه بالخارج لا تهبط عليهم من السماء، وانما يتم تحصيلها عبر شبكة تهريب معقدة، تمتد من غربي السودان لتخترق الحدود نحو دول الجوار قبل أن تستقر في المصب النهائي، وتصف الحكومة البريطانية “أبو ذر” بأنه العقل المدبر والمسؤول اللوجستي لتوفير التمويل والمشتريات العسكرية لصالح قوات الدعم السريع (RSF) من خارج الحدود السودانية.
تنشط عصابات التهريب ووسطاء الشركات على الحدود التشادية، حيث يستلمون الذهب المهرب من مناجم جبل عامر بشمال دارفور، ومناجم أغبش، بالإضافة إلى أكثر من عشرة مناجم أخرى تنتشر في منطقة سنقو بولاية جنوب دارفور، ويتحرك الوسطاء بالذهب نحو مدينتي أبشي وأدري التشاديتين، ومنهما إلى العاصمة أنجمينا. هناك، وفي تلاعب بالقوانين، تُستخرج للذهب السوداني أوراق رسمية مزورة تعيد تقديمه للعالم باعتباره “ذهباً تشادياً خالصاً”، قبل أن يتم شحنه عبر مطار أنجمينا إلى مطار دبي، المحطة النهائية لتسييل الثروة المنهوبة، وبالمقابل أيضاً يتم استخدام مطار نيالا في عمليات التهريب، وتنشط في ذلك طائرات كينية وإمارتية ومرتزقة أجانب، في مغامرات مستمرة، وفقاً لتقارير دولية.
لا تقتصر منافذ التهريب على البوابة التشادية، إذ تمثل منطقة سنقو بجنوب دارفور مساراً ثانياً بالغة الحيوية والخطورة باتجاه دولة جنوب السودان، وفي مناطق التنقيب بسنقو، وصولاً إلى منطقة “كفيا كنجي” على الحدود المشتركة، يتم تهريب كميات ضخمة من الذهب مستغلين الفوضى الأمنية العالية وسيولة الحدود، وفقاً _لمنصة بيم ريبورت_ يتدفق الذهب من هناك إلى العاصمة جوبا، ومنها يُعاد تصديره وتوزيعه عبر قنوات إقليمية ممتدة تشمل كينيا وأوغندا، ليعود ريع هذه العمليات في النهاية مسيّرات وذخيرة تستهدف المواطنين ومحطات المياه والكهرباء في العاصمة الخرطوم وبقية الولايات في الوسط والشمال.
من المهم الإشارة إلى أن تفكيك هذه الخلايا التجارية والمسارات الحدودية يؤصل لحقيقة واحدة، وهى أن المليشيا لا تملك مقومات البقاء داخلياً، اقتصادها يتنفس برئة خارجية مستعارة وجوار متواطئ، إلى جانب الاعتماد الكامل على موانئ ومطارات ليبيا وتشاد وجنوب السودان، وأسواق دبي والوسائط العقارية لتسييل الذهب، ما يعني أن معركة حسم التمرد تحتاج إلى جهود وتعاون أكبر، تبدأ من تجفيف منصات التداول وتتبع أرقام الحسابات، وضبط بوابات العبور مع دول الجوار التي باتت معابراً معتمدة لغسيل ثرواتنا.
قبل أيام كشفت رويترز عن تورط شركات أمنية وعسكرية خاصة مرتبطة بالضابط الأمريكي المتقاعد ستيفن شوليس في تقديم دعم لوجستي وجوي لمليشيا آل دقلو الإرهابية، ويبدو أن لندن وكذلك حليفاتها في الاتحاد الأوروبي لا تجرؤ على خطوة شجاعة تضع النقاط على الحروف بتصنيف تلك المجموعات بقادتها الحقيقيين ضمن قوائم الإرهاب الدولي.
ومع ذلك، تبرز المفارقة الغربية، فبينما تُلاحق العواصم الكبرى هؤلاء الوكلاء الصغار وتفضح أدوارهم، تلوذ بالصمت المطبق أمام المنظومة الإقليمية الكبرى التي تديرهم وتمنحهم الملاذ البنكي والسياسي الآمن، وتتعمد تفادى قطع اليد التي تقبض على خنجر الحرب.
على الأجهزة المختصة السودانية أن تشرع فوراً في قص خيوط شبكة (أبو ذر، مازن، وأحمد هاشم) ومن يقف خلفهم داخل البلاد، لأن هؤلاء ليسوا وحدهم، فالخشية الكبرى أن تكون هناك حسابات تخصهم، أو شركات محلية جديدة تلعب دور “عسجد” مستعارة، تتخفى خلف سجلات تجارية، ومبادرات خادعة، تعمل بصورة أو بأخرى مشروعة في المدن الآمنة، لتواصل تهريب الذهب وتغذية ميليشيا الجنجويد الإرهابية التي تلعب دور مخلب القط في هذه الحرب
