من “مات صبي الما شاف أبوظبي” إلى سؤال القطيعة والمراجعة

0

كتب عمار عوض الشيخ الاسيد – لم تكن عبارة “مات صبي الما شاف أبوظبي” مجرد مقولة شعبية عابرة في السودان، بل كانت تعبيرًا عن مرحلة كاملة من العلاقات بين الشعبين. فقد ارتبط اسم الإمارات في الذاكرة السودانية لعقود بفرص العمل وبناء المؤسسات، حين فتحت أبوابها أمام أعداد كبيرة من السودانيين الذين أسهموا في تأسيس قطاعات مهمة في الدولة الناشئة، من التعليم والصحة والهندسة إلى الإدارة والخدمة المدنية.

 

كان السودانيون الذين ذهبوا إلى الإمارات في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي يرون فيها مساحة للنجاح والكفاءة، وكانت التجربة الإماراتية في بداياتها بحاجة إلى تلك الخبرات العربية والأفريقية التي ساعدت في بناء مؤسساتها الحديثة.

 

وفي تسعينيات القرن الماضي، ومع التحولات السياسية العاصفة في السودان، وسياسات الإقصاء والبطش والتنكيل التي قام بها نظام الإنقاذ الجديد و التي طالت قطاعات واسعة من المجتمع، أصبحت الإمارات أيضًا وجهة لكثير من السودانيين الذين بحثوا عن فرص جديدة في بلاد زايد الذي عرف بالحكمة.

 

لكن العلاقة دخلت مرحلة مختلفة مع مطلع الألفية الجديدة. فقد أصبحت الإمارات مركزًا إقليميًا مهمًا للأعمال والاستثمار، واستقبلت رؤوس أموال سودانية كبيرة، وهنا الأمر طبيعي لكن ما دون ذلك كان ان كثير من هذه الأموال مرتبطة برجال أعمال وشخصيات محسوبة على نظام البشير الذي كانت تناصبه العداء قبلا . وفي ظل العقوبات الاقتصادية الأمريكية التي كانت مفروضة على السودان وتحول الإمارات الدرامي لتكون ملجا لأموال ذات النظام ، أثار ذلك نقاشًا واسعًا بين السودانيين حول طبيعة هذه التدفقات المالية ومصادرها والجهات المستفيدة منها بما في ذلك شراء الأسلحة في ظل حرب مستعرة في جنوب كردفان ودارفور التي كانت في أتون حرب مع الدولة المركزية بقيادة البشير.

 

وهو الأمر الذي جعل الكثير من المعارضين لنظام عمر البشير ننتظم في حملات في العواصم الغربية للمطالبة بمزيد من الضغوط على النظام، كانت شريحة من قياداته ورجال أعماله يتوسع حضورها الاقتصادي في الإمارات، وهو ما ترك لدى كثير من السودانيين شعورًا بالتناقض بين الخطاب السياسي السابق الموسوم بالعداء والممارسة الاقتصادية وفق منهج براغماتي يصل مرحلة وصفّه بالانتهازية وعدم المبدئية على الأقل بالنسبة لأهل دارفور وكردفان.

 

وعندما اندلعت ثورة ديسمبر 2018، استقبل قطاع واسع من السودانيين الموقف الإماراتي المؤيد لسقوط نظام البشير باعتباره فرصة لفتح صفحة جديدة. غير أن هذه الصورة بدأت تتغير تدريجيًا مع تصاعد الجدل حول مستقبل المرحلة الانتقالية، وخاصة ملف العلاقة مع قوات الدعم السريع وموقعها في المشهد السياسي والأمني.

 

بالنسبة إلى قطاعات كبيرة من القوى الثورية، لم تكن القضية مرتبطة فقط بموقف من طرف سوداني بعينه، بل بمبدأ رفض أي تدخل خارجي في رسم مستقبل البلاد بعيدًا عن إرادة السودانيين.

 

وفي يونيو 2021، برز ملف الفشقة ليضيف طبقة جديدة من التوتر. فقد أثارت مقترحات متداولة آنذاك حول ترتيبات تتعلق بالمنطقة الحدودية بين السودان وإثيوبيا جدلًا واسعًا، خاصة ما تردد عن نسب لتوزيع المصالح فيها. ورفض عضو مجلس السيادة مالك عقار تلك النسب في تصريح علني، مؤكدًا أن قضية الفشقة مرتبطة بالسيادة والحقوق السودانية، وهو موقف عكس حساسية هذا الملف لدى السودانيين.

 

ثم جاءت حرب 15 أبريل 2023 لتضع العلاقات أمام أصعب اختبار لها. ففي الأيام الأولى، نظرنا لها نحن أهل السودان على أنها مثلها مثل حروبنا الداخلية السابقة ، لكن مع مرور الوقت تصاعدت اتهامات حكومتنا وجيشنا  تجاه الإمارات بانها الداعم الاول ل قوات الدعم السريع، وهي اتهامات نفتها أبوظبي، لكن أتت التقارير المؤثقة من المؤسسات والمنظمات والصحافة تؤكد ماهو عكس ذلك.

 

ومع استمرار الحرب ودخولها عامها الرابع وظهور تقارير دولية وإقليمية تتناول أدوار الأطراف الخارجية، تحولت صورة الإمارات لدى قطاعات واسعة من نخبة منظمات حقوق الإنسان  الحقوقية إلى جانب غالب السودانيين من دولة ارتبط اسمها بالعمل والاستثمار إلى طرف ينظر إليه بعين الريبة والاتهام بانها مشاركة في الفظائع التي اقشعرت لها الابدان.

 

وهنا تظهر المفارقة الكبرى: فالدولة التي احتضنت آلاف السودانيين وساهموا في بنائها، أصبحت اليوم تواجه غضبًا شعبيًا سودانيًا واسعًا بسبب سياساتها تجاه الأزمة السودانية.

 

لكن العلاقات بين الشعوب لا ينبغي أن تختزل بالكامل في الخلافات السياسية. فالسودانيون يميزون، في معظمهم، بين الشعب الإماراتي الذي تجمعهم به سنوات طويلة من المصالح والروابط الإنسانية، وبين السياسات التي قد تتخذها الحكومات وتختلف حولها الشعوب.

 

وبالنظر للموقف الإماراتي الأخير وفرشها البساط الأحمر للرئيس السوري الجديد أحمد الشرع الذي ناصبته العداء على طول خط عمله في معارضة الأسد او تسلمه مقاليد الحكم في دمشق ، وبعد استقبالها الأخير إلى رئيس الحكومة الليبية في طرابلس (الدبيبة) والاحتفاء به من قبل رئيس الدولة وصار لسان حال الجميع ( لماذا عاشت ليبيا كل هذه الفوضى بدعاوى وصفات واصطفافات اضرت بسمعة ابوظبي وصورتها في المنطقة المغاربية بأسرها)

 

ويبقى السؤال الأهم الذي يطرح نفسه الان : هل تستطيع أبوظبي مراجعة سياساتها في السودان وفتح مسار جديد يقوم على احترام سيادة الدولة السودانية،  ومؤسساتها أم تستمر حالة المواجهة السياسية بما تحمله من خسائر متبادلة تتمثل في تحطيم مقدرات السودان وتحطيم صورة الإمارات بالملاحقات والإدانات الدولية وربطها بالفظائع بدلا عن كونها بلد السياحه والاستثمار .

 

ومع ذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح نفسه اليوم ليس: كيف نُصعّد القطيعة؟ بل: كيف يمكن أن تُراجع السياسات بما يفتح الباب أمام استعادة الثقة إن توفرت الإرادة السياسية لدى جميع الأطراف؟

 

فالقطيعة الدائمة ليست سياسة، كما أن العداء الأبدي لا يخدم مصالح الشعوب. والعلاقات بين الدول لا تُبنى على العواطف وحدها، ولا تستمر بالإنكار، وإنما تقوم على احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والالتزام بالقانون الدولي، ومراعاة المصالح المشتركة.

 

إن مراجعة السياسات ليست تنازلًا، بل هي سلوك تمارسه الدول عندما تدرك أن كلفة الاستمرار في المسار نفسه أصبحت أعلى من كلفة تصحيحه. وقد شهد العالم نماذج عديدة لدول أعادت تقييم سياساتها الخارجية عندما اكتشفت أن استمرار المواجهة يضر بمصالحها وصورتها ومكانتها

 

فالتاريخ يثبت أن النفوذ لا يُقاس فقط بالقدرة المالية أو التحالفات السياسية، بل بقدرة الدول على بناء الثقة والحفاظ عليها. وفي النهاية، فإن استقرار السودان ووحدته وسلامة أراضيه يجب أن تكون مصلحة مشتركة لكل الأطراف الإقليمية، لأن الحروب لا تترك منتصرين حقيقيين، بل تترك شعوبًا تدفع الثمن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.