السفير الطريفي أحمد كرمنو يكتب- المحكمة الدستورية وقانون الإذعان

0

​ بقلم- السفير الطريفي أحمد كرمنو- المحكمة الدستورية وقانون الإذعان- الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، الذي أنعم علينا بتشكيل المحكمة الدستورية؛ بوصفها أعلى سلطة قضائية في البلاد، وحصناً منيعاً لبسط العدالة ورد المظالم. وإنّنا إذ نستبشر خيراً بوجود هذه الهيئة الموقرة، فإننا نذكّر بقول الحق سبحانه وتعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ».

 

وكما قيل في الأثر التاريخي والسياسي المستقر: “العدل أساس الملك”، به تستقيم أمور العباد، وتأمن البلاد، وتنهض المجتمعات ومن هذا المنطلق الراسخ، تتطلع أشواق المواطنين وصناع الرأي إلى هذه الهيئة القضائية الرفيعة لتحدث الفارق المأمول وتضع حداً للتجاوزات القانونية التي أنهكت كاهل الشعب.

 

​أولاً: تغوّل الكهرباء وتحت رحمة “عقود الإذعان”

​بالعودة إلى جوهر المسألة، نتوجه بسؤال مشروع إلى الهيئة الموقرة حول ما يُعرف بـ (قانون أو عقد الإذعان)؛ هذا السيف المصلت على رقاب المستهلكين، مَن الذي أقره؟ وإلى متى يظل المواطن السوداني يرزح تحت رحمته؟ بموجب هذا التكييف المجحف، تتمتع الشركة السودانية للكهرباء بقوة مطلقة تعفيها من المساءلة والمحاسبة، حتى استمرأت قطع التيار الكهربائي دون إخطار مسبق، وتعيده متى شاءت بلا اعتذار، وفي غياب تام لأي جداول معلنة للقطوعات.

 

​إن الطاقة الكهربائية في دول العالم كافة تُعد حقاً أساسياً لا ينقطع إلا لضرورات قصوى، وفي حال الانقطاع، يُخطر المستهلك مسبقاً، ويُعلم بوقت عودة الخدمة مع تقديم اعتذار رسمي رصين يُذكر في هذا السياق أن اليابان احتفلت ذات مرة بمرور ربع قرن دون أن ينقطع التيار الكهربائي فيها لثانية واحدة، وحين انقطع التيار في العاصمة الصينية بكين لدقيقة واحدة، سارع وزير الكهرباء بتقديم استقالته تقديراً للمسؤولية الأخلاقية والمهنية أما في واقعنا، فقد غاب أدب الاستقالة والاعتذار، وغاب معه التمعن في أحكام الشريعة التي تحاسب على أخذ الأجر بلا عمل مقابل.

 

​والمفارقة الكبرى تكمن في أن المهندسين السودانيين مشهود لهم بالكفاءة العالية وتستعين بهم دول الخليج لبناء شبكاتها، فلماذا يعجزون في وطنهم؟ ولماذا تستقر الشبكة في مصر الشقيقة حتى بتنا نتطلع للاستيراد منها، بينما نستجدي إثيوبيا لمدنا بالطاقة؟ إن هذا الضعف البنيوي يرجع لغياب المبادرات والحلول الناجعة؛ فبينما بادرت مصر بالسد العالي وإثيوبيا بسد النهضة، قبعت مؤسساتنا خلف قانون الإذعان الذي يبدو أنه حال بين القائمين عليها وبين تقديم أي ابتكار أو حلول حقيقية. كيف ينقطع التيار الكهربائي وخزان الرصيرص يضم محطة توليد عملاقة كان الأجدر بها أن تؤمن الاكتفاء التام لولاية النيل الأزرق على أدنى تقدير؟

 

​ثانياً: معضلة المياه واللجوء غير المبرر للمياه الجوفية

​أما هيئة المياه، فسؤالنا الملح لها: كيف تشرب مصر ويعطش السودان؟ ومصر تاريخياً “هبة النيل” وتمتد فيها الصحراء الكبرى ويبلغ تعداد سكانها ضعف تعداد سكان السودان، بينما ينعم السودان بأنهار موسمية ودائمة تتلاشى قبل دخول مصر؛ كنهري الرهد والدندر، ونهر السوباط، ونهر عطبرة، فضلاً عن الخيران والأودية المتدفقة مثل خور أبو حبل في كردفان، ويابوس في النيل الأزرق، وخور تُمد في قيسان، ونهر القاش الموسمي، ووادي كجا في غرب دارفور.

 

​حقائق استراتيجية: يخزن خزان الرصيرص وحده ما يقارب 7 مليارات متر مكعب من المياه العذبة وبحساب أن المتر المكعب يعادل نحو 6 براميل، فإن الحوض يحتوي على 42 مليار برميل من الماء؛ وهي كمية هائلة تكفي لإرواء عطش أمة بأكملها لو أُحسن استغلالها.

 

​ومع هذه الوفرة المائية السطحية الهائلة، تعمد هيئة المياه إلى حفر الآبار الجوفية المكلفة والمهددة بالنضوب! إن هذا التوجه يمثل نقصاً حاداً في المبادرة الهندسية والرؤية الاستراتيجية وقد صور القرآن الكريم عظمة الأنهار السطحية في قوله تعالى على لسان فرعون: «وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي»، فالأنهار الجارية هي مبعث النماء والقوة، ولم يَقُل هذه الآبار تنبع من تحتي. فلماذا يلجأ المهندسون إلى الآبار الجوفية في ولاية النيل الأزرق والماء العذب على مرمى حجر من أبصارهم في خزان الرصيرص؟ وينطبق هذا التساؤل الاستنكاري على كل المدن والقرى السودانية القائمة على شواطئ النيل العظيم وتفتقر لشبكات مياه صالحة للشرب.

 

​خاتمة ونداء إلى المحكمة الدستورية الموقرة

​بناءً على ما تقدم، نرفع هذا النداء الاستغاثي إلى المحكمة الدستورية الموقرة ورئيسها وأعضائها الأجلاء. إننا لم نألو جهداً في الكتابة والتحذير عبر وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، وسطرنا ذات مرة مانشيتاً عريضاً في إحدى الصحف السيارة بعنوان: “هيئتا الكهرباء والمياه.. متى تخشيان الله فينا؟”، ولكن لا حياة لمن تنادي.

 

​ولأن الكهرباء أصبحت من ضرورات العصر المعيشية، والمياه هي عماد الوجود الإنساني بنص الآية الكريمة: «وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ»، فإننا نتطلع بيقين كامل إلى أن تلتفت المحكمة الدستورية الموقرة، في إطار صلاحياتها العليا، لتنظر في دستورية وقانونية هذا “القانون الجائر” (قانون الإذعان)، وتنفض عن كاهل المواطن السوداني غبار الإجحاف والظلم، لتستقيم أمور العباد ويسود الحق والعدل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.