تقرير دولي يكشف تفاصيل مثيرة عن حرب المسيرات في السودان

0

متابعات- الزاوية نت- رسم تقرير صادر عن منظمة “مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة” صورة مكثفة للتحول الذي شهدته الحرب في السودان خلال العام الأخير، حيث انتقلت تدريجياً من حرب مدن واشتباكات برية مباشرة إلى “حرب المسيرات” عابرة للحدود، باتت فيها الطائرات المسيّرة والضربات الجوية بعيدة المدى أداة مركزية لإدارة الصراع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.

 

وبحسب التقرير، فإن الضربات الجوية والمسيّرة أصبحت تمثل ما بين ثلث إلى نصف إجمالي أحداث العنف المسجلة خلال العام الماضي، في مؤشر واضح على أن الحرب دخلت مرحلة جديدة تتجاوز الجبهات التقليدية وتربط الميدان السوداني بشبكات إمداد إقليمية ودولية تمتد من ليبيا وتشاد إلى الخليج والبحر الأحمر.

 

ويشير التقرير إلى أن الطرفين تمكنا، بدرجات متفاوتة، من الالتفاف على قيود حظر السلاح والاصطفافات الجيوسياسية التقليدية، عبر الحصول على تقنيات مسيّرات متطورة من مصادر متعددة فالقوات المسلحة السودانية عززت قدراتها الجوية بمزيج من المسيّرات الإيرانية مثل «مهاجر-6» و«أبابيل-3»، إلى جانب أنظمة تركية وباكستانية مثل «YHIA-III» وطائرات «بيرقدار»، ما سمح لها بالانتقال من وضع دفاعي خلال 2023 إلى تبني استراتيجية هجومية متعددة الجبهات.

 

ورغم تعليق صفقة تسليح باكستانية ضخمة بقيمة 1.5 مليار دولار في أبريل 2026 بضغط سعودي، يؤكد التقرير أن الجيش السوداني حافظ خلال مايو على وتيرة تقارب 70 ضربة جوية ومسيّرة، وهو معدل مشابه للأشهر السابقة، ما يعكس استمرار تدفق الإمدادات وامتلاك مخزون عملياتي كاف.

 

في المقابل، اعتمدت قوات الدعم السريع منذ أواخر 2024 على شبكة إمداد مدعومة إماراتياً، تعتمد على تمرير تسليح صيني متطور عبر ليبيا وتشاد، وهو ما أتاح لها خلال 2025 تنفيذ ضربات بعيدة المدى طالت ولايات البحر الأحمر والشمالية ونهر النيل، وأجبر الجيش السوداني حينها على إعادة تموضع جزء من قدراته الجوية نحو إريتريا لتأمين العمق الشرقي والشمالي الشرقي.

 

ويرى التقرير أن أحد أبرز التحولات في مسار الحرب يتمثل في انتقال الجيش السوداني إلى استراتيجية تقوم على استهداف خطوط إمداد الدعم السريع بدل الاكتفاء بضرب مواقعه داخل المدن ففي مايو وحده، نفذ الجيش 17 ضربة على مدينة نيالا، وهو أعلى رقم شهري منذ بداية الحرب، مستهدفاً مخازن الوقود ونقاط التجميع والأسواق التي يُعتقد أنها تُستخدم كمراكز لوجستية.

 

كما استهدفت الضربات قوافل آليات قادمة من ليبيا باتجاه الفاشر، وشحنات قرب الحدود التشادية، في محاولة لخنق قدرة الدعم السريع على إدخال الوقود والذخائر والمعدات من الغرب.

 

ويشير التقرير إلى أن الضغوط الإقليمية لعبت دوراً مهماً في إضعاف شبكة إمداد الدعم السريع؛ إذ أدى التوتر مع تشاد وإغلاق بعض المعابر الحدودية، إلى جانب ضغوط مصر والسعودية على قائد قوات شرق ليبيا المشير خليفة حفتر، إلى إعادة تشكيل مسارات الإمداد وإجبار الدعم السريع على الاعتماد على طرق أطول وأكثر تكلفة عبر الجنوب والشرق.

 

وفي ما يتعلق بقدرات الدعم السريع، يوضح التقرير أن ترسانته تطورت من استخدام ذخائر تائهة ومسيّرات تجارية معدّلة إلى امتلاك منصات استراتيجية مثل «CH-95» القادرة على تغطية معظم الأراضي السودانية، فضلاً عن رصد مسيّرات صينية كبيرة من نوع «BZK-005» في نيالا، ما يشير إلى استمرار وصول جزء من الدعم الخارجي رغم الضغوط الاقتصادية والسياسية المتزايدة على الجهات الداعمة.

 

كما يكشف التقرير عن اعتماد متزايد على الخبرات الأجنبية في تشغيل الأنظمة الجوية المعقدة، مشيراً إلى وجود مستشارين أو مشغلين من كولومبيا وأوكرانيا وإسبانيا داخل وحدات الدعم السريع منذ منتصف 2025، مع ربط ذلك بحادثة اعتراض الجيش السوداني لرحلات شحن مرتبطة بالإمارات كانت تنقل مرتزقة كولومبيين عبر مطار نيالا في أغسطس 2025.

 

لكن التقرير يلفت في الوقت نفسه إلى أن الأشهر الثلاثة الأخيرة شهدت تراجعاً واضحاً في وتيرة هجمات الدعم السريع، خاصة في جبهات النيل الأزرق وجنوب كردفان، وهو ما يربطه بتعطل خطوط الإمداد وخسائر بشرية وتقنية في وحدات تشغيل المسيّرات، الأمر الذي دفع القوات إلى تبني وضع دفاعي يركز بصورة أكبر على دارفور باعتبارها مركز الثقل الرئيسي للصراع.

 

وفي جانب الدفاع الجوي، يظهر التقرير وجود فجوة تقنية واضحة بين الطرفين؛ إذ تمكنت دفاعات الجيش السوداني من اعتراض نحو 13% من هجمات مسيّرات الدعم السريع، بينما لم تتجاوز نسبة اعتراض الدعم السريع للمسيّرات الحكومية 2.3% فقط.

ويرجع التقرير هذا التفاوت إلى امتلاك الجيش منظومات أكثر تطوراً وتكاملاً، بينها منظومات «HISAR-A»، مقابل اعتماد الدعم السريع على أنظمة صينية قصيرة ومتوسطة المدى من طراز «FK-2000» تعمل في ظروف تشغيلية محدودة.

 

ومع ذلك، يشير التقرير إلى أن الدعم السريع أظهر قدرة على استغلال بعض الثغرات التقنية، كما حدث عندما نجح في تدمير إحدى بطاريات «HISAR-A» في شمال كردفان عبر استخدام مسيّرات حلقت على ارتفاعات يصعب على الرادارات رصدها، في وقت وثق فيه “ACLED” سبع ضربات نفذها الجيش السوداني بين أغسطس 2025 وفبراير 2026 ضد مواقع دفاع جوي تابعة للدعم السريع.

 

ويرى التقرير أن دارفور تتحول تدريجياً إلى مركز الثقل الحاسم للحرب، خصوصاً بعد خسارة الدعم السريع مواقع مهمة في الخرطوم والجزيرة ومناطق أخرى. ولذلك كثف الجيش السوداني ضرباته الجوية في شمال وشرق دارفور دعماً لحلفائه المحليين والقادة المنشقين عن الدعم السريع، تمهيداً لعمليات برية أوسع خلال موسم الأمطار.

 

كما يلفت التقرير إلى تصاعد أهمية «المثلث الحدودي» بين السودان ومصر وليبيا، باعتباره ساحة مرشحة لتصبح محوراً رئيسياً للمعارك المقبلة، في ظل الحشد العسكري المتبادل ومحاولات السيطرة على طرق الإمداد العابرة للحدود.

 

إقليمياً، يربط التقرير بين مسار الحرب والتحولات السياسية في المنطقة؛ فمصر والسعودية تكثفان ضغوطهما على حفتر لتقليص دعمه للدعم السريع، بينما تواجه الإمارات تحديات متزايدة بسبب انخراطها في ملفات إقليمية أخرى، ما قد ينعكس على استدامة دعمها اللوجستي والعسكري.

 

كما تظهر إريتريا، بحسب التقرير، كقاعدة خلفية مهمة للجيش السوداني، حيث استضافت جزءاً من قدراته الجوية واللوجستية بهدف تأمين العمق الشرقي وحماية خطوط البحر الأحمر.

 

ورغم الطابع العسكري للتقرير، فإنه يشير إلى أن التحول نحو حرب المسيّرات يحمل آثاراً إنسانية متفاقمة، خصوصاً مع استهداف الأسواق ومخازن الوقود ومناطق الإمداد داخل المدن المكتظة مثل نيالا والفاشر وأم درمان، ما يزيد من تدمير البنية التحتية المدنية ويعمق أزمة النزوح والانهيار الاقتصادي.

 

ويخلص تقرير “ACLED” إلى أن السودان يتجه نحو نمط صراع طويل الأمد قائم على الاستنزاف الجوي وحرب المسيّرات، حتى في حال الوصول إلى حالة جمود ميداني. فالحرب، وفقاً للتقرير، لم تعد مجرد مواجهة داخلية بين قوتين عسكريتين، بل أصبحت نموذجاً لحرب إقليمية بالوكالة تستخدم فيها المسيّرات منخفضة الكلفة والتقنيات العابرة للحدود لإدامة الصراع وتوسيع نطاقه الجغرافي، بما يجعل احتواء العنف أكثر تعقيداً في السنوات المقبلة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.