الكشف عن شراكات طويلة الأمد بين السودان وتركيا

0

كتب بقلم فائق محمود وف- هل يدخل السودان حقبة جديدة من الدبلوماسية الإقليمية؟- استُقبل رئيس الدولة، السيد البرهان، استقبالاً رسمياً حافلاً في المجمع الرئاسي، وحملت زيارته دلالات رمزية وسياسية بالغة الأهمية.

 

فقد عكست جهود السودان لتحويل المكاسب الميدانية الأخيرة إلى زخم دبلوماسي، وأكدت في الوقت نفسه أن حكومة الخرطوم لا تزال فاعلة وفاعلة على الصعيد الدولي رغم سنوات الصراع.

 

وتمثل الشراكة المتجددة بين السودان وتركيا تحولاً ملحوظاً عن السياسات التي انتهجتها البلاد بعد ثورة 2019. إذ نأت الإدارة الانتقالية المدنية بنفسها إلى حد كبير عن أنقرة سعياً منها إلى توثيق العلاقات مع القوى الغربية وإسرائيل وشركاء إقليميين رئيسيين. وقد جُمّدت العديد من الاتفاقيات التي أُبرمت خلال الحقبة السابقة، مما أدى إلى تراجع كبير في التعاون الثنائي.

 

وقد غيّر اندلاع الحرب الأهلية هذه الحسابات جذرياً. ففي مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة والبيئة الإقليمية المتشابكة، تبنّت القيادة السودانية نهجاً أكثر واقعية في السياسة الخارجية. وفي هذا السياق، برزت تركيا مجدداً كأحد أهم الشركاء الاستراتيجيين للخرطوم.

 

تشير الزيارات الأخيرة التي قام بها رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس إلى أنقرة، والتي أعقبتها زيارة مماثلة قام بها الرئيس السوداني محمد البرهان، إلى أن العلاقات قد تجاوزت مرحلة إدارة الأزمات، وتتجه مجدداً نحو شراكة طويلة الأمد أوسع نطاقاً، تركز على الأمن وإعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي.

 

يأتي هذا التقارب الدبلوماسي في وقتٍ حسّنت فيه القوات المسلحة السودانية من وضعها الميداني، حيث استعادت السيطرة على مناطق رئيسية في الخرطوم وولاية الجزيرة، وأعادت بناء الهياكل الإدارية في المناطق التي استعادتها من قوات الدعم السريع.

 

ويرى مؤيدو الحكومة أن هذه التطورات قد عززت مكانة الخرطوم الدولية، ومنحت القيادة ثقة أكبر لمتابعة مبادرات دبلوماسية جديدة.

 

في الوقت نفسه، واجهت قوات الدعم السريع صعوبة في تحقيق مكاسب استراتيجية حاسمة، على الرغم من تلقيها دعماً خارجياً كبيراً. ويشير المحللون إلى أن الصراع في السودان بات يُشبه بشكل متزايد مواجهة إقليمية بالوكالة، تشمل جهات أجنبية متعددة وجماعات غير حكومية.

 

ومع استمرار تغير الديناميكيات العسكرية، يبدو أن الخرطوم تُركز بشكل متزايد على ضمان أن تُصاحب النجاحات الميدانية إنجازات دبلوماسية قادرة على تشكيل المشهد السياسي المستقبلي للبلاد.

 

يُعدّ تنامي دور تركيا في أفريقيا أحد أهمّ العوامل الدافعة وراء التقارب بين أنقرة والخرطوم. ففي السنوات الأخيرة، تجاوزت أنقرة حدود التعاون الاقتصادي التقليدي، وبرزت كمُقدّم رئيسي للمساعدات الأمنية والتدريب العسكري والتعاون الدفاعي.

 

وقد أصبح ما يُعرف بـ”النموذج الصومالي”، الذي يجمع بين الدعم العسكري وبناء القدرات المؤسسية والتعاون في الصناعات الدفاعية، أحد أبرز أدوات السياسة الخارجية التركية في القارة. وقد أعربت العديد من الدول الأفريقية التي تواجه تحديات أمنية عن رغبتها في تبنّي أطر مماثلة.

 

أما بالنسبة للسودان، الذي سيواجه في نهاية المطاف مهمة جسيمة تتمثل في إعادة بناء مؤسسات الدولة وإعادة هيكلة قطاعه الأمني ​​بعد سنوات من الحرب، فإن التعاون مع تركيا يُمثّل خيارًا جذابًا ومن المُحتمل أن يُصبح التعاون الدفاعي والتدريب العسكري ونقل التكنولوجيا عناصر مهمة في العلاقات الثنائية خلال السنوات القادمة.

 

وقد حملت زيارة البرهان رسائل هامة إلى مختلف الجهات فعلى الصعيد الداخلي، كان الهدف منها طمأنة المواطنين السودانيين بأن الدولة لا تزال فاعلة وقادرة على ممارسة الدبلوماسية على أعلى المستويات رغم استمرار الصراع. وقد عزز الاستقبال رفيع المستوى في أنقرة ادعاء الحكومة بالشرعية والاعتراف الدولي.

 

على الصعيد الإقليمي، أشارت الزيارة إلى عزم السودان على تنويع شراكاته الخارجية وتجنب الاعتماد على أي كتلة أو تحالف منفرد. ويُعدّ تعزيز العلاقات مع تركيا جزءًا من جهد أوسع لتوسيع الخيارات الدبلوماسية وتقليل العزلة الإقليمية.

 

والأهم من ذلك، أبرزت الزيارة رؤية الخرطوم لمرحلة ما بعد الحرب. إذ تتطلب إعادة إعمار السودان استثمارات ضخمة، وتطويرًا للبنية التحتية، ودعمًا مؤسسيًا. وتتمتع تركيا، بحضورها الاقتصادي والدبلوماسي المتنامي في أفريقيا، بموقعٍ يؤهلها للعب دورٍ هام في هذه العملية.

 

وتتجاوز أهمية زيارة البرهان إلى أنقرة الاعتبارات العسكرية والسياسية المباشرة، فهي تعكس مسعى السودان لإعادة تموضعه دوليًا، لا كدولةٍ غارقةٍ في الصراع فحسب، بل كدولةٍ تستعد لإعادة الإعمار وإقامة شراكات طويلة الأمد.

 

ويتوقف نجاح هذه الاستراتيجية على تطورات ساحة المعركة والبيئة الإقليمية الأوسع. ومع ذلك، فإن الزخم الدبلوماسي الناتج عن الاتصالات رفيعة المستوى الأخيرة بين السودان وتركيا يُشير إلى أن كلا الجانبين ينظر إلى العلاقة كاستثمار استراتيجي لا كضرورة مؤقتة في زمن الحرب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.