مكياج على جثة بقرة.. حكايتي مع “سوداني”

0

كتب الصحفي عزمي عبد الرازق- مكياج على جثة بقرة.. حكايتي مع “سوداني” قائلا: في الأيام الأولى للحرب، كنت مرابطاً في قلب الخرطوم، تحديداً في جزيرة توتي، شهدتُ من موقعي ذاك سقوط المقرن واحتلال الاستراتيجية تحت وابل من نيران ميليشيا الدعم السريع، وخنق المدينة الكبيرة.

 

في تلك الأجواء المشحونة بالموت، كنت أتسلل خلسة وبحذر شديد إلى مكتب قناة “الجزيرة” داخل برج “كورنثيا”، في مغامرة مهنية كانت أشبه بالمشي فوق حقل ألغام، ومن هناك كنت أطل على الشاشة عدة مرات في اليوم، وذلك بعد قطع الإنترنت والاتصالات عن العاصمة.

 

ربما كنت آخر صحفي يغادر منطقة “تقاطع النيران” تلك، ولأنني خرجت من رحم المعركة، نجحت في جمع معلومات ميدانية حساسة ومهمة، وتحولتُ فجأة إلى قبلة للإذاعات والقنوات الفضائية، لا يكاد هاتفي يتوقف عن الرنين، لكن الدراما الحقيقية بدأت بعد النزوح والعودة إلى ولاية الجزيرة، وتحديداً في قرية “مكركا” هناك، وضعتُ كل ثقتي في شريحة “سوداني”، وبدأت رحلة العذاب.

 

تحولت الخدمة إلى سلحفاة عرجاء، وبسبب رداءة الإنترنت والاتصالات، بدأت أتساقط من الأثير، خسرتُ أولاً إذاعة عالمية مرموقة كنت أمدها بتقارير يومية، ثم تقلصت مساحة ظهوري على شاشة “الجزيرة”، حتى انقطع الإيميل تماماً، وهو الرئة الأخيرة التي كنت أتنفس بها مع مكاتب العمل في الخارج.

 

كنت أضطر أحياناً لشد الرحال إلى مدينة “المعيلق”، لا لشيء إلا لإرسال رسالة بريد إلكتروني واحدة! وكم من مرة قضيت نهاراً كاملاً، مستظلاً ببرج الشركة الصامت، قدمت أكثر من شكوى بلا فائدة.

 

تلك المعاناة الخانقة، والركض خلف ذبذبات الشبكة الهاربة، هو ما دفعني في النهاية إلى اتخاذ القرار الصعب والهجرة خارج البلاد. والمفارقة الكبرى، رُبما تكريماً لي على هذا الصبر، أنني بعد العودة فوجئت بأنهم كافأوني بتعطيل خدمات الشريحة تماماً!

 

قد يبدو هذا السرد شكوى شخصية لصحفي تضررت مصالحه، لكنها في حقيقة الأمر مأساة عامة يتجرعها ملايين السودانيين. فبينما يعيش العالم عصر “القرى الإلكترونية” المدعومة بالذكاء الاصطناعي، نعيش نحن عصر “القرون الوسطى” بمجرد الخروج من مراكز المدن الكبرى، تحتفي الشبكة، الإنترنت أولاً، ثم المكالمات.

 

والطامة الكبرى ارتفاع فلكي في أسعار الباقات، يقابله هبوط حاد في جودة الخدمة. هذا الواقع البائس هو ما جعل المواطنين في الولايات يكفرون بالشركات المحلية، ويوجهون قبلتهم صوب خدمات “ستار لينك” الوافدة من السماء، ليتدبروا بها شؤون تحميل الملفات، والمكالمات المصورة، وحتى التحويلات البنكية التي باتت شريان الحياة الوحيد. ولا أدري حقاً، لماذا تبرع شركات الاتصال لدينا في مهارة جمع الأموال وتجفيف جيوب المشتركين، بينما تفشل فشلاً ذريعاً في تحسين أبسط خدماتها؟

 

الكوميديا السوداء تكتمل فصولها اليوم، والبلاد بلا شبكة مستقرة، حين يخرج علينا وزير الاتصالات متباهياً بإطلاق الهوية الرقمية الوطنية الموحدة “سوداباس”، والتي هندستها وزارة التحول الرقمي بالتعاون مع هيئة الأمن السيبراني والسجل المدني، لتمكين المواطن من الوصول الآمن للخدمات الإلكترونية!

 

يا للمفارقة، وأي صدمة هذه! يتحدثون عن “تحول رقمي” وهوية موحدة، والمواطن يبحث عن “إشارة” واحدة ليرسل طمأنينة لأهله، عن حياة بلا انقطاع، كما أن محاولة الحديث عن الفضاء الرقمي في ظل شبكات “سوداني” و”زين” المتهالكة، هي محاولة بائسة ومضحكة، تبدو تماماً كمن يحاول وضع “مِيك أب” صارخ على جثة بقرة ميتة!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.