تفكيك وتفسير التسريبات المنسوبة إلى (السافنا)
كتب.. د. إبراهيم الصديق علي.. تفكيك وتفسير التسريبات المنسوبة إلى (السافنا): اجندة الإمارات وخيبة صمود.. (1-2)
(1)
مما اشتهر عن الشاعر داؤد الإيادي قوله : ومَنْ يصنع المعروف في غير أهله … يُلاقي الذي لاقى مجيرُ أمِّ عامرِ ، وهذا ما حدث بالضبط في قضية تسريبات نشطاء (صمود) وغرف الأمارات العربية المتحدة وأطراف أخرى سنأتي على ذكرها بإذن الله ، فقد كان حدث تسليم النور قبة ومن بعده علي رزق السافنا شديد الوقع والتأثير على مليشيا آل دقلو الارهابية ومن خلفهم الوكيل دولة الإمارات العربية المتحدة وحاضنتهم صمود وبقايا قحت ، وعندما نذكر هذه المجموعة الأخيرة ، فأننا نقصد بها (الحزب اليسار السوداني واخرين متحالفين معه ومنهم المجموعة الجمهورية وهم الفيصل الذي يدير كثير من التفاصيل من وراء الغرف المغلقة وحراك بعض المنظمات ولافتات القوى المدنية).
وقبل أن نتناول الدلالات والتقاطعات السياسية ، نبدأ بتفكيك التسجيلات الزائفة والمفبركة حول علاقة( السافنا) بالمملكة العربية السعودية والاشارة إلى دور مزعوم ، والادلة على زيف الفبركات كثيرة ومنها:
1. المقاطع المنشورة في اول التسريبات ومستخدمة قديمة وليست حديثة ، وفي حديث السافنا إشارة الى مذيعة معروفة وخلفها ابراج مشهورة بالسعودية ، وهى خلفية معروفة في قناة العربية وقد انتقلت هذه المذيعة من العربية إلى قناة اماراتية منذ أكثر من 4 أعوام ، ومن غبائهم عدم التدقيق و محاولة التعمية على الآخرين.. فهذا يؤكد أن المقطع قديم.
٢. بقية الحديث ، وغالباً ما يكون صوت دون صورة ، لإخفاء الصور والشواهد التي تدل على أن التسجيل قديم.
3. الحديث عن مبلغ 20 مليون جنيه سوداني ، وتخصيص 5 مليار لتوفير معينات متحركات دليل آخر على ان المقطع قديم فهذه مبالغ لا تستوفي متطلبات اسرة متوسطة الحال ناهيك عن قوة مسلحة ، وغني عن القول أن التضخم تجاوز ذلك بكثير ، مما يشير إلى أن التسجيل قديم وعلى الأقل في العام 2020 م أو 2021م ، قبل أن يتصاعد التضخم وتتراجع قيمة الجنيه السوداني.
4. توجيهات السافنا لقواته (أمشوا قدام) ، وهذه ليست توجيهات لقوة منسحبة ، ويفترض التوجيه بلغة الانسحاب للخلف ، وحتى الربط مع قوة اخري توجد أن الحديث في ظروف اخري.
5. لبس السافنا والغطاء على راسه دلالة على أن وقت التصوير في شتاء قارس وليس حرارة الصيف هذه الأيام في الرياض.
ويبقى السؤال الجوهري لمصلحة من هذه الفبركات ؟ لماذا استهداف المملكة العربية السعودية ؟ وفي هذا التوقيت بالذات ؟..
(2)
فيما يذهب الذهن إلى دور (صمود) و(غرف مليشيا آل دقلو الارهابية) ، وهذا صحيح ، وموضوعي ، ولكن للحرب ضد ايران – في رأي – طرف من هذه القضية ، وهو غضب أماراتي مكتوم بسبب مواقف صلبة اتخذتها المملكة العربية السعودية واقنعت بقية دول الخليج (ما عدا الأمارات العربية) بأن لا تكون طرفاً في الحرب ضد ايران رغم ما لاقته من استهداف ، وفي أكثر من رواية تحدثت أطراف أمريكية وغربية عن موقف سعودي وكويتي وعماني وقطري ، ضد خطة الرئيس الامريكي دونالد ترامب الخاصة بمضيق هرمز وعدم استعداد هذه الدول استخدام اراضيها ، مما اضطر ترامب للتراجع عن الخطة ، بينما تحدثت الأمارات العربية عن المشاركة في الخطة ، ولعل ذلك سبب اشارتهم لوجود قوات مصرية بأراضيهم.
هذا هو الجانب الخفي في الحملة ضد المملكة العربية السعودية ولهذا أوعزت الأمارات العربية المتحدة بهذه التسريبات ووظفت تقنياتها لانتاجها واخراجها.. وهذا التوجه صادف توجهات اليسار السوداني المعادي لكل دور سعودي في السودان أو المنطقة العربية بشكل عام ، بل حتى للدور الأماراتي ، لكنهم لا يمانعون في التعامل معهم مرحلياً كما يجري الآن ، ولعل من نافلة القول أن اول من اشار إلى التدخل الأماراتي في السودان علناً هو سكرتير الحزب الشيوعي السوداني محمد مختار الخطيب في ندوة مشهورة بميدان الاهلية بأم درمان في مايو 2019م..
وقد رد عليه حينها وزير الدولة بالخارجية الاماراتية..
هذه الظلال دون شك حاضرة في هذا المشهد..
(3)
هذه الرؤية التحليلية لا ينبغي أن تنسينا تداعيات وظرفيات القضايا الداخلية ، واولها: تأثيرات تسليم النور قبة والسافنا على مليشيا آل دقلو الارهابية ومرتزقتها ميدانياً ، وانكسار قوتهم وتفاقم الانقسامات والشكوك الداخلية بينهم ، وأكثر من ذلك كشف خبايا المليشيا وخطاباتها ووسائل التعبئة والتحشيد ، وخاصة أن هذه المجموعة المنشقة من خاصة حواضن المليشيا الإجتماعية ، وهذا التزييف هو جزء من حالة انزعاج وقلق من فقدان السيطرة على الأمور وخلخلة البنية الداخلية للمليشيا البربرية ، ولهذا تنشط غرف الحاضنة السياسية صمود في اسناد بندقيتهم ، كما تفعل الدولة الراعية وبقية القوي المتآمرة.
وكشفت التسريبات عن تناصر كبير بين صمود ومليشيا آل دقلو الارهابية ، وهذا أمر مشهود منذ 2024م وتوقيع ميثاق اديس ابابا ، واصبح أكثر رسوخاً لدرجة لعدم تقدير تأثيرات هذه المواقف على صورتهم ومواقفهم وعلاقاتهم السياسية والخارجية ، ودون احتساب لمآلات التحولات الاقليمية والدولية..
(4)
وفي الحقيقة ، أن دخول نشطاء (صمود) أو ما يسمى القوى المدنية طرف في هذه القضية بقدر ما هو امتداد لتوجهاتهم ، فانه جاء خصماً على رصيدهم الخارجي والحليف الأكثر موثوقية وهو المملكة العربية السعودية ، فقد حافظت السعودية على دور محوري للمجموعة الرباعية ، وهى الطرف الذي تتكيء عليه جماعة صمود لتمرير منظوراتهم للقوى الغربية والمجتمع الدولي ، فمن الواضح أن حالة اللاوعي والانخراط في اجندة الأمارات العربية المتحدة افقد صمود خاصية (التحسب) دون أن نتجاهل فرضية زهد الأمارات في هذه المجموعة والتضحية بهم لخدمة مشروعهم الأساسي وهو مليشيا آل دقلو.
ومعلوم الدور الكبير الذي لعبه السفير السعودي السابق علي بن جعفر في دعم جماعة قحت ثم تقدم و(صمود) ، وكانت تحركاته لضمان لكثير من مواقفهم واسنادهم ، ناهيك عن توفير التمويل لهم وتوفير مظلة تواصل مع أطراف اخري ، واشهرها تدخله في العام 2021م لإفشال مساعي مبعوث الأمم المتحدة فولكر بيرتيس لعقد مائدة مستديرة مع القوى الوطنية ووصول مساعد وزير الخارجية الامريكية في ليفي للسودان وما حدث بعد ذلك معلوم.
نسيت (صمود) أو اجبرت على تناسي كل هذه المواقف السعودية لصالح أجندة دولة الإمارات العربية المتحدة..
(5)
وخلاصة القول:
– أن الأمارات العربية المتحدة تدير كثير من ملفاتها السياسية ومصالحها من خلال الحالة السودانية ، واصبحت كل ادواتها السياسية مصوبة لهذه الغاية دون أي حسابات اخري.
– وان حالة الارتباك والتشويش افقدتها القدرة على التمييز في إدارة الأمور وقد خرجت عن السيطرة بشكل كلي.
– وان اليسار السوداني وظف هذا الأمر لتعزيز مزاعمه ضد أي صلات اسلامية أو عربية للسودان وعزل السودان من محيطه كعمق حضاري.
– دون أن ننسى مخططات واجندة زرع الشكوك بالداخل ، وهذا أمر سنأتي عليه لاحقاً بإذن الله..
