“بدر للطيران”.. لهفة ملامسة الأرض بين الدوحة ومطار الخرطوم
كان علينا أن نتحرك مبكراً صباح اليوم الأربعاء حتى نلحق بطائرة «بدر للطيران» القادمة مباشرة من الدوحة إلى الخرطوم، في أول رحلة من نوعها بعد انقطاع دام ثلاث سنوات. عقب صلاة الفجر مباشرة غادرنا العزوزاب باتجاه المطار، فيما كان الليل لا يزال يلقي بستاره على المدينة، والهدوء يلف الطرقات في أجواء معتدلة تبعث على الطمأنينة.
على امتداد الطريق نحو السوق المركزي، بدت الخرطوم وكأنها تستعيد شيئاً من روحها القديمة. سيارات المواصلات بدأت حركتها منذ وقت مبكر، والناس يملأون الشوارع بحيوية لافتة، فيما عكست الحركة النشطة إحساساً عاماً بعودة الحياة والاستقرار. وعندما وصلنا السوق المركزي، كدنا ننسى مهمتنا الأساسية من فرط جمال المشهد؛ شاحنات محمّلة بالخضروات والفواكه تحيط بها جموع التجار، وحركة بيع وشراء تعيد إلى الأذهان أيام الخرطوم المزدحمة بالحياة.
واصلنا رحلتنا إلى المطار، وهناك بدت ملامح الجهد الكبير الذي بذلته شركة مطارات السودان وسلطة الطيران المدني واضحة للعيان، بدعم من الدولة. صالة الحج والعمرة ظهرت بصورة أنيقة ومنظمة، تعكس عملاً كبيراً أُنجز خلال الفترة الماضية. وبعد إكمال الإجراءات، كنا محظوظين بوصولنا قبل هبوط الطائرة، ما أتاح لنا متابعة إجراءات إحدى رحلات الحج المغادرة من الخرطوم.
بعد قليل، هبطت طائرة بدر القادمة من الدوحة، واخترنا أن نتابع المشهد من داخل الصالة. كانت لحظة وصول الركاب مؤثرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. 179 راكباً نزلوا من الحافلات التي أقلّتهم من الطائرة إلى الصالة، وعلى وجوههم ارتسمت مشاعر لا يمكن وصفها بسهولة؛ فرحة العودة، وحنين السنوات، ولهفة ملامسة أرض الوطن من جديد.
أكثر من سيدة شوهدت وهي تذرف الدموع تأثراً، فيما بدا كبار السن من الرجال والنساء الأكثر تعلقاً بهذه اللحظة. كانوا ينظرون إلى الخرطوم بعيون امتلأت بالشوق، وكأن الغربة، مهما طالت، لم تستطع أن تنتزع الوطن من قلوبهم.
داخل الصالة، وقف القادمون في انتظار أمتعتهم على أحرّ من الجمر، ليس شوقاً للحقائب بقدر ما هو شوق للخروج سريعاً واستنشاق هواء الخرطوم، والعودة إلى مدينة ظلت صامدة رغم كل الظروف، مدينة تختصر السودان في أجمل صوره وأكثرها دفئاً وإنسانية.
طيران بلدنا
