عادل الباز يكتب- ثلاث سلع تحكم الاقتصاد… والدولة خارج المشهد
كتب عادل الباز – ثلاث سلع تحكم الاقتصاد… والدولة خارج المشهد قائلا: نحن لا نواجه أزمة عادية يمكن تجاوزها بمسكنات مؤقتة، بل نقف على أعتاب اختلال اقتصادي كبير تتشكل ملامحه الآن تحت ضغط حرب الخليج، وارتفاع تكاليف الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد في المنطقة، كل المؤشرات تشير إلى أن موجة تضخم قاسية في الطريق، وأن أسعار الغذاء وسعر الصرف مقبلان على ضغوط غير مسبوقة.
ومع ذلك، تقف الدولة في موقع المتفرج، دون أن تبادر أو تستخدم أدواتها لمواجهة ما هو قادم، في مثل هذه اللحظات الحرجة تُقاس كفاءة الدول بقدرتها على التدخل السريع، وإدارة مواردها الحيوية، وتأمين احتياجات شعبها الأساسية لكننا، للأسف، ما زلنا نتعامل مع أزمة بحجم اقتصاد دولة بعقلية إدارة يوم بيوم.
2
والحقيقة الواضحة الآن أن ثلاث سلع تمسك بمفاتيح هذا المشهد كله، وهي التي ستحدد مصير الاقتصاد السوداني في المرحلة القادمة… السلعة الأولى: المواد البترولية، الثانية: الذهب، والثالثة: السماد.
هذه السلع الثلاث مترابطة ارتباطاً وثيقاً. الوقود ضروري في كل تفاصيل الحياة الاقتصادية، والذهب مصدر أساسي للعملة الصعبة (سعر الصرف)، والسماد محدد حاسم في إنتاج الغذاء. أي خلل في أحدها يتحول فوراً إلى تضخم + انهيار في قيمة العملة + أزمة غذاء.
تؤثر المواد البترولية بشكل حاسم في التضخم وسعر الصرف. فماذا فعلت الحكومة للتعامل مع هذه السلعة الخطرة؟ لا شيء تقريباً. ما زالت تُدار بنفس السياسات السابقة التي كانت تعاني أصلاً من الفوضى والفساد وعدم الكفاءة، كما كشف مؤخراً كل من الدكتور مزمل أبو القاسم والأستاذ الطاهر ساتي في مقالين مهمين.
3
مع ارتفاع أسعار المواد البترولية بسبب حرب الخليج، سترتفع تكاليف الشحن والتأمين، مما سيرفع تكلفة النقل والإنتاج بنسبة تتراوح بين 30-40%. كما سترتفع أسعار السماد بشكل حاد (سعر الطن حالياً 850 دولاراً بعد أن كان 400 دولار قبل الحرب)، وستنعكس كل هذه الارتفاعات مباشرة على أسعار الغذاء، لأن تكاليف السماد والري والحصاد والنقل سترتفع جميعها في آن واحد. وبالتالي، سيزداد الضغط على سعر الصرف بشدة.
سؤال موجه للمسؤولين: هل تعرفون حجم احتياجات الموسم الزراعي القادم من سماد ومواد بترولية؟ وهل تدركون أن هذا الموسم مهدد بالفشل بسبب غياب التخطيط؟
4
ما هو الحل؟
في مثل هذه الأزمات، يجب على الدولة أن تتدخل بقوة لحماية شعبها من خلال سياسات واضحة ودعم مباشر.
يمكن لوزارة النفط (وليس شركات الأجهزة) أن تستورد المواد البترولية بكل مشتقاتها، وتبيعها مباشرة لشركات التوزيع بسعر التكلفة، لتحافظ على مستوى معقول من الأسعار وتلجم التضخم. فمن غير المعقول أن يصل سعر جالون الجازولين إلى 24 ألف جنيه، ولتر البنزين إلى 5 آلاف جنيه، ليصبح أعلى سعر في المنطقة (بينما لم تتجاوز الزيادة في مصر 14%).
كما يجب منح القطاع الزراعي أولوية مطلقة، فيُباع له الوقود والسماد بسعر التكلفة دون فرض أي رسوم (التي تبلغ حالياً 23%)، بدلاً من أن تأخذ الحكومة هذه النسبة من جيب المواطن لتنفقها في غير مكانها.
وبالنسبة للسماد، يمكن لشركة “زادنا” أو أي جهة حكومية أن تستورد السماد وتبيعه للمزارعين بسعر التكلفة، مع إعطاء الأولوية للمحاصيل الاستراتيجية: الذرة والقمح والأعلاف، ليبقى سعر الغذاء مستقراً قدر الإمكان.
5
من أين تموّل الحكومة ذلك وهي “مفلسة”؟
الإجابة: الحكومة ليست مفلسة، لكن الذين يديرونها يتصرفون وكأنها كذلك.
تشير التقديرات الاقتصادية إلى أن السودان ينفق سنوياً نحو ملياري دولار على استيراد المواد البترولية، و300 مليون دولار على الأسمدة، أي ما مجموعه حوالي 2.3 مليار دولار. وفي المقابل، يُنتج السودان ذهباً تُقدر عائداته الحقيقية (بعد التهريب) بنحو مليار ونصف المليار دولار على الأقل.
6
الضرورة تفرض الان أن تُكرس الحكومة هذه الموارد لتأمين الوقود ودعم الزراعة، قبل فوات الأوان.في النهاية، المسألة بسيطة: هل توجد دولة فعلاً، أم لا؟
دولة تعرف أولوياتها فتؤمّن الوقود، وتدعم الزراعة، وتستخدم إيرادات الذهب لمصلحة الاقتصاد الكلي فتستقر عملتها ويأمن شعبها على غذائه؟ أم دولة تترك كل شيء للسوق و تكتفي بالفرجة؟ كل المؤشرات حالياً تقول إننا نسير نحو الأسوأ… لكن ما زال في الوقت بقية.ربنا يجيب العواقب سليمة.

بين مطرقة التضخم وسندان الغياب الحكومي.. تعقيب على ما كتبه الاستاذ عادل الباز
بقلم: عماد الدين صالح حسن
طالعتُ باهتمام المقال الرصين للأستاذ عادل الباز بعنوان (ثلاث سلع تحكم الاقتصاد)، والذي وضع فيه النقاط على الحروف وشخّص جرح الاقتصاد السوداني الغائر، لا في مظاهره السطحية فحسب، بل في جوهر إدارته المختل. وما دفعني للتعقيب هو استشعاري لخطورة اللحظة التاريخية التي تمر بها بلادنا، والتي لا تحتمل أنصاف الحلول أو الاكتفاء بدور المتفرج.
لقد أصاب الأستاذ الباز حين حصر الأزمة في “مثلث الضرورة” (الوقود، الذهب، والسماد)؛ فهذه العناصر ليست مجرد سلع تجارية، بل هي الركائز التي يقوم عليها معاش الناس واستقرار الدولة. ومن يراقب المشهد بمسؤولية، يدرك أن فقدان السيطرة على هذه المفاصل يعني ترك مصير الشعب السوداني لتقلبات لا ترحم.
وفي هذا السياق، أود إضافة نقاط جوهرية استكمالاً لهذا التحليل:
1. استعادة “الولاية على السلع الاستراتيجية”:
إن غياب الدولة عن قطاع المواد البترولية وترك الحبل على الغارب لشركات الوساطة، هو تنازل عن دور أصيل في إدارة الأزمات. لا يمكن ترك سلعة هي “عصب الحياة” لعوامل الربح والخسارة والرسوم المتعددة. إن عودة الدولة للاستيراد المباشر وتوفير الوقود بسعر التكلفة هو حائط الصد الأول لمنع انهيار القطاعات الإنتاجية.
2. الربط العضوي بين الذهب والمدخلات:
المشكلة ليست في ندرة الموارد، بل في بعثرتها. إن تخصيص عائدات الذهب – كمورد سيادي – لتمويل استيراد الوقود والسماد حصراً، إجراء كفيل بخلق استقرار فوري في سعر الصرف. فبدلاً من لجوء المستوردين للسوق الموازي لتمويل هذه السلع الضخمة، توفر الدولة غطاءً نقدياً من إنتاجها الذاتي، مما يلجم التضخم ويحمي القوة الشرائية للمواطن.
3. الزراعة كخيار وحيد للبقاء:
السماد والوقود الزراعي ليسا رفاهية، بل هما أدوات العمل الأساسية للمنتج السوداني. إن الارتفاع الجنوني في أسعار الأسمدة عالمياً يتطلب تدخل الدولة كمشتري وموزع لإيصال هذه المدخلات للمزارع دون جبايات أو أرباح إضافية. إن أي إخفاق في الموسم الزراعي القادم سيعني بالضرورة استيراد الغذاء بالعملة الصعبة، وهو عبء لا يطيقه الاقتصاد حالياً.
4. مغادرة عقلية “إدارة اليوم باليوم”:
الاقتصاد السوداني يحتاج اليوم إلى رؤية استباقية وليس ردود أفعال متأخرة. إن مواجهة آثار الصراعات الإقليمية وارتفاع تكاليف الشحن تتطلب بناء مخزونات استراتيجية من هذه السلع الثلاث، بحيث يكون لدينا احتياطي يمتص الصدمات السعرية العالمية ولا ينقلها مباشرة إلى كاهل المواطن المنهك أصلاً.
ختاماً..
إننا نؤيد ما ذهب إليه الأستاذ الباز بأن الوقت لا يزال متاحاً للإصلاح، ولكن هذا الإصلاح يتطلب إرادة قوية تنتقل بالدولة من دور “المراقب” إلى دور “الفاعل الحقيقي”. المسألة اليوم تتجاوز الأرقام والجداول؛ إنها مسار وطن يبحث عن الاستقرار، وهذا لن يتأتى إلا بالسيطرة على مفاتيح هذا الاقتصاد وتوجيهها لخدمة الإنتاج والمواطن.
حفظ الله السودان وأهله، وهيأ لنا من أمرنا رشدا.