ارتفاع قياسي في أسعار السلع والخبز والوقود في العاصمة الخرطوم

0

سجلت أسعار الخدمات والسلع الأساسية والخبز في السودان زيادات قياسية متزامنة مع إيقاف بعض المحال التجارية لعمليات البيع في محاولة لترقب حركة الأسواق بعد ارتفاع أسعار الوقود في مختلف الولايات، من بينها ارتفاع سعر الخبز إلى 250 جنيه وفي بعض المخابز يباع بسعر 500 جنيه بمعنى 2 رغيفة بألف جنيه.

 

وتشهد الأسواق في السودان حالة من الارتباك مع انعكاس تداعيات الحرب في الشرق الأوسط إلى جانب تطاول أمد الحرب في السودان التي اندلعت في منتصف أبريل 2023م

 

وأكد مواطنون في الخرطوم وعطبرة وبورتسودان استنطقتهم “سودان تربيون” أنهم فوجئوا بالزيادات الأخيرة، التي وصلت إلى مستويات قياسية ما أثقل كاهل الأسر وأثار جدلًا واسعًا حول قدرة الحكومة على ضبط الأسواق وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.

 

وقالت المواطنة العائدة من مصر إلى الخرطوم، سارة محمد، إن الوضع المعيشي أصبح صعبًا جدًا، حيث وصل سعر 4 قطع خبز إلى 1000 جنيه، بدلا من 6 قطع بذات السعر في السابق، كما ارتفعت أسعار السلع الاستهلاكية الأخرى، ما يجعل تلبية الاحتياجات اليومية تحديا كبيرا للمواطنين العائدين من الخارج.

 

وأضافت سارة لسودان تربيون أن ارتفاع الأسعار فاقم صعوبة إعادة ترتيب حياتهم بعد العودة، خاصة مع التزاماتهم الأسرية والمصاريف الأساسية اليومية، مشيرة إلى أن هذا الوضع يتطلب تدخلا عاجلا من الحكومة لتخفيف العبء على المواطنين.

 

وأعربت المواطنة عائشة عبد الرحمن من عطبرة عن استيائها من ارتفاع الأسعار، قائلة: “الخبز والسلع الأساسية أصبحت باهظة الثمن، والوضع يضغط بشكل كبير على الأسر، ونحن بحاجة إلى تدخل عاجل لتثبيت الأسعار وضمان قدرتنا على تغطية احتياجاتنا اليومية”.

 

وأكدت عائشة لسودان تربيون أن الزيادات المتكررة تجعل من الصعب على العائلات تلبية احتياجاتها الأساسية، خصوصا ذوي الدخل المحدود، محذرة من تدهور القدرة الشرائية للأسر إذا استمر الوضع على هذا النحو.

 

في السياق اشتكت المواطنة رحاب عثمان من مدينة بورتسودان شرقي البلاد من زيادة أسعار السلع الاستهلاكية، من دون معرفة أسباب هذه الزيادة، وأوضحت رحاب لسودان تربيون أن سعر عبوة الزيت 7 لترات ارتفع من 30 ألف جنيه إلى 35 ألف جنيه.

 

وأضافت أن هذه الزيادات المفاجئة تزيد العبء على الأسر، وتضع المواطنين في موقف صعب بين تأمين احتياجاتهم اليومية ومواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، مطالبة الجهات المختصة بوضع حلول عاجلة، وحسب صاحب مخبز في حي الثورة ببورتسودان، فإن الخبز سيباع خلال أيام بواقع 4 قطع بألف جنيه بدلا من 6 قطع.

 

توقف عمليات البيع

شهد معدل التضخم تصاعدًا في ثلاث ولايات.. صورة نشرها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يوم الثلاثاء 23 سبتمبر 2025م، في الأثناء، أكد رئيس شعبة تجار الجملة بولاية الجزيرة أسامة سعد هجا إن عددا من المحال التجارية في مدينة ود مدني أوقفت عمليات البيع للزيادات التي وصفها بالكبيرة على أسعار السلع خاصة الاستهلاكية.

 

وعزا هجا في حديث لسودان تربيون ذلك لارتفاع تكلفة الترحيل بتطبيق زيادة أسعار الوقود وانعكاسات الحرب في الشرق الأوسط على الأسواق السودانية.

 

وأشار إلى ارتفاع سعر جوال السكر زنة 50 كيلوجرام إلى 175 ألف جنيه من 155 ألف جنيه في السابق، كما انعكست الزيادات على تكاليف الصيانة للمنازل وقال إن سعر جوال الأسمنت ارتفع من 35 ألف إلى 55 ألف جنيه، كما ارتفع سعر جردل البوماستك إلى قرابة 100 ألف جنيه.

 

وَنوه إلى أن تلك الزيادات صعبة على المواطن ولا يستطيع تحملها في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السودان. وأضاف قائلاً “على ديوان الزكاة أن يتجه لاعانة قطاع َواسع من هؤلاء المواطنين.

 

تعرفة النقل

وأشار عدد من المواطنين في حديثهم لسودان تربيون إلى ارتفاع تعرفة المواصلات داخل مدينة ود مدني بولاية الجزيرة، وقال المواطن أحمد تاج الدين إن تعرفة الحافلة داخل المدينة ارتفعت من 1000 جنيه إلى 1500 جنيه وتعرفة سيارات الأجرة الصغيرة المعروفة باسم “أمجاد” تتراوح ما بين 1500 جنيه إلى 2000 جنبه، بينما يبلغ سعر تعرفة “الركشة” داخل المدينة ما بين 7 ألاف جنيه إلى 10 ألف جنيه بدلا عن 5 ألاف جنيه سابقاً.

 

أسعار الوقود

وشهدت أسعار الوقود في عدد من الولايات زيادات لافتة، حيث صدرت تعرفة جديدة دخلت حيز التنفيذ اعتبارا من الخميس 2 أبريل الجاري، شملت البنزين والجازولين وفقا للتوصيات الفنية لإدارات النقل والبترول في كل ولاية، وأصدرت إدارة النقل العام والبترول بولاية نهر النيل تسعيرة جديدة للمواد البترولية، تضمنت تفاوتا طفيفا بين المحليات بناءً على تكاليف النقل واللوجستيات.

 

وبلغ سعر لتر الجازولين في محليتي شندي والمتمة 7,220 جنيها، بينما سجل في عطبرة والدامر 7,199 جنيها، وفي بربر 7,208 جنيها. أما سعر لتر البنزين فقد بلغ في شندي والمتمة وأبو حمد 5,130 جنيها، و5,109 جنيهًا في عطبرة والدامر، و5,118 جنيهًا في بربر، و5,152 جنيهًا في البحيرة.

 

وأكدت سلطات ولاية نهر النيل أن أي مخالفة لهذه الأسعار ستعرض صاحب المحطة للمساءلة القانونية، مع غرامة لا تقل عن مليون جنيه وسحب الترخيص في حال تكرار المخالفة.

 

وفي ولاية كسلا أعلنت السلطات عن زيادة كبيرة في أسعار الجازولين، حيث ارتفع سعر اللتر من 5,288 جنيها إلى 7,538 جنيها، على أن تنفذ التسعيرة فورا في جميع المحطات، وسط ترقب واسع من المواطنين وأصحاب المركبات لمتابعة تأثير الزيادة على تكلفة النقل والمواصلات.

 

كما أجازت وزارة المالية بولاية النيل الأبيض تسعيرة جديدة للوقود بناءً على توصية مجلس تنظيم وتطوير النقل العام، حيث بلغ سعر غالون البنزين 26,725 جنيها وغالون الجازولين 36,520 جنيها، مع إضافة 20 جنيها على الغالون لتغطية تكلفة ترحيل الوقود إلى المحليات.

 

بينما أعلنت وزارة المالية بولاية الجزيرة عن تسعيرة جديدة للمواد البترولية في جميع محطات الخدمة بالولاية، حيث حُدد سعر لتر البنزين بواقع 5,496 جنيها، ليصبح سعر الجالون 24,732 جنيها، فيما بلغ سعر لتر الجازولين 7,678 جنيها، بما يعادل 34,551 جنيها للجالون الواحد.

 

وأكدت السلطات ضرورة الالتزام التام بالأسعار الرسمية، مع إشراف رقابي دقيق من الأجهزة الأمنية والإدارية لضمان وصول الخدمة بشكل عادل للمواطنين.

من جانبها سجلت أسعار الوقود في مدينة  بورتسودان بولاية البحر الأحمر ارتفاعا جديدا، حيث بلغ سعر لتر الجازولين 6,449 جنيها والجالون 29,020 جنيهًا.

 

أما في الحصاحيصا بولاية الجزيرة، فقد وصل سعر الجالون في السوق السوداء إلى 40,000 جنيه، بينما بلغ سعر البنزين في محطات الخدمة 25,500 جنيه.

في سياق متصل ارجع وزير التجارة السابق خلال الفترة الانتقالية علي جدو السبب الرئيسي للتدهور المريع للأوضاع الاقتصادية في السودان يكمن في الحروب الداخلية والخارجية، وأكد أن الجميع يعاني من آثارها بشكل كبير.

 

وقال علي جدو لسودان تربيون إن السودان يعيش منذ ثلاث سنوات في ظل اقتصاد حرب داخلي، وزادت عليه تداعيات الحرب الإقليمية، مشيراً إلى أن انعكاسات هذه الحروب امتدت لتطال الدول المحيطة وانعكست على الاقتصاد العالمي بشكل مباشر.

 

وأضاف جدو أن هذه الظروف الاقتصادية الصعبة تتطلب من وزارة التجارة واللجنة الاقتصادية اتخاذ إجراءات استثنائية تهدف إلى تخفيف الآثار السلبية على حركة التجارة داخليا وخارجيا وعلى الاقتصاد ككل.

وأكد أهمية التنسيق بين الوزارات المعنية والجمارك وبنك السودان لمعالجة التعقيدات المصاحبة لإجراءات التحويلات البنكية، والتي قد تؤدي إلى تكدس البضائع في الموانئ.

 

وشدد جدو على أن الأهم في المرحلة الحالية هو تطبيق وزارة التجارة لمطلوبات تسهيل التجارة لضمان انسياب الصادرات والواردات عبر الموانئ والمطارات، بما يساهم في تخفيف الضغوط الاقتصادية وتحسين حركة السوق.

 

إجراءات تقشفية

بالمقابل، قال المحلل الاقتصادي هيثم محمد فتحي إن الحكومة السودانية مضطرة لفرض إجراءات تقشفية واحترازية، مشيرا إلى تأثر السودان بما يحدث في الإقليم، وخاصة دول البحر الأحمر، وانعكاس الإجراءات الاقتصادية العالمية على البلاد، وأوضح فتحي لسودان تربيون أن هذه الإجراءات تهدف إلى إدارة الموارد الشحيحة في ظل انكماش اقتصادي متوقع وضغوط أمنية ناتجة عن الحرب ضد التمرد.

 

ونوه  إلى أن الاقتصاد السوداني يواجه خطر اضطراب سلاسل التوريد وارتفاع الأسعار، حيث يعتمد بشكل كبير على الطرق البرية وموانئ البحر الأحمر لاستيراد السلع الأساسية، وما قد يحدث من تصعيد إضافي يهدد توافر المواد الضرورية، مما قد يفاقم الأزمة الإنسانية خاصة للنازحين في دارفور.

 

وأضاف أن أي تقشف حكومي ليس تقشفا بالمعنى الحرفي، بل هو اقتصاد الضرورة بمعنى قصر الإنفاق على ما هو ضروري وضروري جدا، مشيرا إلى أن قرارات الحكومة تهدف إلى ترشيد الإنفاق وتحقيق استقرار الموارد المتاحة.

 

كما أشار المحلل الاقتصادي هيثم فتحي إلى تأثير الحرب في الشرق الأوسط على سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى إغلاق مضيق هرمز الذي ساهم في خفض المعروض العالمي من النفط ورفع الأسعار، مؤكدًا أن السودان من بين الدول المتأثرة بشكل مباشر، ما أدى إلى مضاعفة تكاليف استيراد المنتجات البترولية وارتفاع أسعار الوقود محليًا.

 

وحذر فتحي من أن هذه العوامل، إلى جانب ارتفاع الضغوط على سعر الصرف، قد تدفع مؤشر التضخم إلى مسار صعودي غير متوقع، مما ينعكس مباشرة على غلاء الأسعار وارتفاع تكلفة المعيشة.

 

وأكد أن هذه الزيادات المتزامنة ستفاقم الأوضاع المعيشية للمواطنين، خاصة في ظل تراجع قيمة الجنيه السوداني وارتفاع تكاليف الإنتاج والخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والاتصالات والدواء والتعليم والسكن، والتي شهدت ارتفاعات كبيرة أثقلت كاهل محدودي ومتوسطي الدخل.

 

وأشار فتحي إلى أن ارتفاع أسعار الخبز، المصدر الرئيسي للغذاء لدى السودانيين، في هذه الظروف الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والبطالة المرتفعة، سيزيد من معاناة المواطنين ويفاقم معدلات الفقر. وأكد على ضرورة تدخل الحكومة الفوري لدعم الدقيق وتوفيره بأسعار مناسبة، إضافة إلى دور مؤسسات المجتمع المدني في الوقوف إلى جانب المواطن لمواجهة هذه الزيادات.

 

موجة تضخم

بدوره، أشار المحلل الاقتصادي محمد الناير في حديثه لـ” سودان تربيون” إلى أن الاقتصاد السوداني يمر بمرحلة حرجة مع توقعات حدوث موجة تضخم، نتيجة لتداعيات الحرب الداخلية التي اندلعت في 15 أبريل 2023، والتي أدت إلى تدهور كبير في المؤشرات الاقتصادية، أبرزها الانخفاض الحاد في قيمة العملة الوطنية، حيث تراجع الجنيه من نحو 570 مقابل الدولار إلى ما بين 3500 و3600 حالياً، إلى جانب ارتفاع معدلات التضخم والبطالة خلال السنوات الثلاث الماضية.

 

ونوه إلى أن التطورات الإقليمية، وعلى رأسها التوترات المرتبطة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما صاحبها من تهديدات بإغلاق مضيق هرمز، ألقت بظلالها على الاقتصاد العالمي، وهو ما انعكس بدوره على السودان باعتباره جزءاً من المنظومة الاقتصادية العالمية، خاصة عبر ارتفاع أسعار النفط.

 

وبيّن أن السودان، رغم عدم اعتماده المباشر على مضيق هرمز مقارنة بدول أخرى، إلا أنه تأثر بشكل غير مباشر بزيادة أسعار الوقود عالمياً، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف السلع والخدمات محلياً، باعتبار أن المحروقات تمثل مدخلاً أساسياً في كافة القطاعات الإنتاجية والخدمية، بما في ذلك الزراعة والصناعة والنقل.

 

وانتقد الناير غياب السياسات الاستراتيجية في إدارة ملف المحروقات، مشيراً إلى أن الدولة كان بإمكانها تقليل آثار الأزمة عبر تولي استيراد الوقود، وتكوين مخزون استراتيجي كافٍ، وطرح المنتجات النفطية بأسعار أقل بنسبة تصل إلى 25% مقارنة بالأسعار الحالية.

كما أشار الناير إلى أن احتكار بعض الشركات لاستيراد الوقود ساهم في زيادات متكررة في الأسعار، حتى في فترات لم تشهد ارتفاعاً عالمياً ملحوظاً.

وذكر أن الزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات مرشحة لإحداث موجة تضخم جديدة، قد تؤدي إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار السلع والخدمات، فضلاً عن تأثيرها السلبي على النشاط التجاري، حيث تميل الأسواق في مثل هذه الظروف إلى الترقب وتقييد عمليات البيع لحين استقرار سعر الصرف.

 

كما أفاد بأن تراجع قيمة الجنيه في السوق الموازي يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي، خاصة في ظل ضعف القوة الشرائية للمواطنين، وعدم كفاية الزيادات التي أُقرت في موازنة 2026 لتغطية الحد الأدنى لمتطلبات المعيشة.

 

ودعا الناير إلى ضرورة تبني نهج “إدارة الأزمة” بدلاً من إدارة الاقتصاد بالأساليب التقليدية، وذلك عبر اتخاذ تدابير عاجلة تشمل تكوين احتياطيات من السلع الأساسية، وضبط الأسواق، وتسهيل إجراءات الاستيراد، إلى جانب مراجعة الرسوم والضرائب المفروضة على المحروقات مؤقتاً لتخفيف الأعباء على المواطنين والقطاعات الإنتاجية.

 

كما شدد على أهمية تدخل الدولة لامتصاص الصدمات السعرية، أسوة بعدد من الدول التي لجأت إلى تخفيض إيراداتها من الضرائب على الوقود للحفاظ على استقرار الأسعار.

وتوقع الناير أن تكون تداعيات الأزمة العالمية الحالية قصيرة الأجل وعدم استمرار الحرب أكثر من ذلك، غير أنه حذر من استمرار الآثار السلبية محلياً في حال عدم اتخاذ إجراءات فعالة، مشيراً إلى أن من أبرز الإشكالات في السوق السوداني عدم تراجع الأسعار بعد زوال مسببات ارتفاعها، ما يفاقم الأعباء على المواطنين.

المصدر سودان تربيون

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.