سهير عبد الرحيم تكتب- حين تخوننا الفرامل

0

سهير عبد الرحيم تكتب- حين تخوننا الفرامل- في العام 2009 كنت مزهوة قليلاً بسيارة نيسان تيدا اشتريتها من قيمة بيعي لبعض مجوهراتي، ولا أدري لماذا اعشق شراء السيارات أكثر من اقتناء الذهب، كحال معظم النساء.

كنت أقول لأمي التي تحفظت على الفكرة إن ذهبي ترتديه الخزانة، ولا أذكر إلا مناسبات تُعد على أصابع اليد ارتديته فيها

اقول إنني ابتعتُ بعضه واشتريت تلك السيارة. زهوي بالسيارة جعلني أدمن عادة سيئة جداً، وهي القيادة بسرعة عالية، والاستياء من السيارات التي تسير ببطء أمامي، ثم لا ألبث أن أتخطى الجميع في سباق نحو الإشارة الخضراء، حتى أطلق الأصدقاء على سيارتي لقب “قطر الموت”، وتحاشى كثيرون مرافقتي في المشاوير المشتركة.

كان والدي، عليه رحمة الله، يجلس إلى جانبي كل صباح حين أقوم بتوصيله لمشاويره. كان يرمقني من تحت نظارته الطبية بصمت، ويتفحص أدائي على الطريق بصبر،ثم يقول لي بهدوء: لقد تعلمت القيادة على يد الخواجات، وأمتلكت أول سيارة في أربعينات القرن الماضي، ولكني لم أسجل حادثاً قط في حياتي؛ لأنني لا أسرع.

لقد علمنا الخواجة مامعناه: (سوق براحة عشان تصل قوام).فأرد عليه: لكن يا أبوي، ممكن اسوق بسرعة وأصل أسرع، والفرامل موجودة.

فيجيبني بابتسامة تحمل شفقة وخوف الأب ويقول: الفرامل ما مضمونة، ممكن تخونك. أحسن حاجة سوقي بسرعة مناسبة،ثم يردف: أنتٍ لاحقة شنو؟ الحياة ما بتتسابق.

كان هوسي بالقيادة السريعة يطغى كثيراً على تلك النصيحة الثمينة، فتعرضت لحادث بسبب السرعة الزائدة وخانتني الفرامل. تأخرت عن كل المواعيد التي كانت في جدولي بعد قضاء غالبية اليوم في رسم الحادث، ومن ثم إجراءات التحري، هذا غير التلف الكبير في السيارة، فكانت النتيجة: سرعة زيادة تأخير زيادة…..وصوت أبي: سوقي براحة عشان توصلي قوام.

الشاهد في الأمر أنني وفي كل عام أتابع فيه برنامج الإدارة العامة للمرور لتفويج المركبات، أتذكر قصتي مع الفرامل ونصيحة والدي، خاصة في وقت يشهد فيه موسم الأعياد الحوادث الأكثر بشاعة بسبب السرعة الزائدة، والتخطي الخاطئ، والتهرب من التفويج.

وعلى مدى 24عاماً ظلت الإدارة العامة للمرور تقوم بتنظيم عملية تفويج للبصات والحافلات في رحلتي الذهاب والعودة للمواطنين الذين يسافرون لقضاء عطلة العيد مع أسرهم في الولايات.
عادة وإجراء سنوي لم تتخلف عنه الشرطة أبداً. تتغير القيادات، و يذهب قوم ويأتي آخرون، ويظل التفويج راسخا في كل السياسات أمان وطمأنينة وفرحة تشبه حلاوة العيد.

وإذا تمعنت عزيزي القارئ، في حوادث العيد تجد أن غالبية الحوادث قبل فترة العيد تكون لمركبات هاربة من التفويج، والنتيجة كارثية بكل المقاييس: وفيات وجرحى ودماء على الاسفلت وحسرة ودموع وجثامين ليلة العيد.

في العام الماضي كان عدد مافوّجته إداراة المرور 189فوجاً ضمت 1065بصاً و 111حافلة و237 أخرى، فيما بلغ جملة عدد الركاب 57655 راكباً، أما في تفويج العودة فقد تم تفويج 165فوجاً ضمت 997بصاً و17حافلة و 152أخرى، فيما يلغ جملة عدد الركاب 52690 راكباً.

 

هذه الأرقام ليست مجرد روتين أو إجراء إداري، أو جزء من عملية تأمين، بل هي مهمة إنسانية في المقام الأول، أسهمت في حفظ أرواح مليون ومائة وثلاثة آلاف وخمسة وأربعين مواطناً سودانياً.
علما بأن هذه الأرقام هي حصيلة تفويج العام الماضي، مما يعني أنه ومع العودةالطوعية الكبيرة للمواطنين، فإن الرقم مرشح للزيادة بمعدل الضعف.

يقف خلف هذا المجهود عدد277ضابطاً و3211 جندياً، ترافقهم 219 سيارة دورية شرطة و27 سيارة إسعاف.
تحية تقدير وعرفان لرجال شرطة المرور في تفويج هذا العام. بوركت جهودكم. نتمناه عيداً دون دموع، دون دماء على الاسفلت دون أكفان.
خارج السور
سوق براحة عشان تصل قوام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.