د. ياسر يوسف يكتب.. تهمة التحالف مع إيران .. كيف صُنعت الرواية ولماذا؟

0

د. ياسر يوسف إبراهيم – خلال الأشهر الأخيرة تصاعد خطاب سياسي وإعلامي يروّج لفكرة وجود تحالف بين الجيش السوداني وإيران، ويجعل من هذه الفكرة مفتاحاً لتفسير الحرب الجارية في السودان. ويقود هذا الخطاب بعض الناشطين المرتبطين بتحالف «صمود»، حيث تتكرر ثلاث فرضيات بصورة شبه ثابتة: أن للجيش علاقة وثيقة بإيران، وأنه لا يريد إنهاء الحرب أو القبول بالهدنة، وأن الإسلاميين هم القوة التي تدير المشهد من خلف المؤسسة العسكرية غير أن تتبع هذه الرواية يكشف أنها لم تنشأ أساساً داخل السودان، بل مرت بمراحل متعددة قبل أن تتحول إلى جزء من السجال السياسي الداخلي.

 

لفهم السياق الذي ظهرت فيه هذه الحملة لا بد من العودة إلى الطريقة التي نظرت بها قوى «قحت/صمود» إلى السلطة منذ سقوط النظام السابق. فقد تعاملت مع الحكم باعتباره استحقاقاً حصرياً لما يسمى «قوى الثورة»، ( والتي تعني تلك التي أطلق عليها مناوي أربع طويلة ) وذلك دون المرور بإنتخابات عامة، أو حاجة لأي تفويض شعبي ، وكان المطلوب من الجيش في تلك المرحلة أن يكون ضامناً لهذا الترتيب السياسي إلى حين إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية.

 

وقد عبّر بعض قادة هذا التيار صراحة عن فكرة بناء جيش جديد يكون للدعم السريع دور محوري فيه. لذلك أصبح موقفهم من الجيش يتحدد بمدى قبوله بهذا المشروع؛ فإذا رفضه قُدِّم بوصفه «جيش الإسلاميين» أو «جيش الكيزان»، وإذا عارض أي صيغة سياسية تمنحهم السلطة المباشرة أصبح في خطابهم طرفاً معادياً للانتقال ، ويجب مهاجمته علنا والتلويح بتفكيكه وتأليب الخارج عليه حتي يذعن لمطالبهم الغير قابلة للنقاش

 

ومع اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023 بدأت تتشكل سردية جديدة تتعلق بإيران. لكن اللافت أن هذه الفكرة لم تظهر أولاً في السجال السوداني، بل في تحليلات أمنية إسرائيلية تناولت موقع السودان في الصراع الإقليمي في البحر الأحمر. ففي مايو 2023 نشرت صحيفة The Times of Israel تحليلاً حول تداعيات الحرب السودانية على الأمن الإقليمي أشارت فيه إلى أن «عدم الاستقرار في السودان قد يفتح الباب أمام عودة النفوذ الإيراني إلى البحر الأحمر» كما نشرت صحيفة Haaretz تحليلاً عن الحرب السودانية جاء فيه أن «إيران قد تستغل الحرب الأهلية في السودان لاستعادة النفوذ الذي فقدته بعد قطع الخرطوم علاقاتها معها عام 2016».

 

هذه التحليلات لم تكن تتحدث عن السياسة السودانية الداخلية بقدر ما كانت تنظر إلى السودان من زاوية الصراع الإقليمي مع إيران وأمن الملاحة في البحر الأحمر. وفي الاتجاه نفسه تناولت مراكز الدراسات الإسرائيلية القضية من منظور استراتيجي. ففي تقرير صدر في نوفمبر 2023 عن معهد دراسات الأمن القومي (INSS) في تل أبيب جاء فيه أن «إستمرار الحرب في السودان لفترة طويلة قد يخلق فرصة لإيران لإيجاد موطئ قدم بالقرب من طرق الملاحة الاستراتيجية في البحر الأحمر».

 

التحول الأكبر حدث في أكتوبر 2023 عندما أعلنت الخرطوم استئناف العلاقات الدبلوماسية مع طهران بعد سنوات من القطيعة. عند هذه النقطة تحولت الفكرة من احتمال تحليلي إلى مادة إعلامية متكررة في الصحافة الإقليمية والدولية. فقد نشرت The Times of Israel في تلك الفترة تقريراً أشار إلى أن إسرائيل تراقب بقلق التقارير التي تتحدث عن تقارب بين الجيش السوداني وإيران خلال الحرب، وذكر التقرير أن «إسرائيل تشعر بالقلق من التقارير التي تشير إلى أن الجيش السوداني يعزز علاقاته مع إيران أثناء الحرب».

 

في هذه المرحلة ظل النقاش يدور أساساً حول الحسابات الاستراتيجية في البحر الأحمر، لكن السردية بدأت تأخذ مساراً مختلفاً عندما انتقلت إلى الإعلام العربي القريب من الإمارات. ففي عدد من المقالات والتحليلات الإعلامية أُضيف عنصر جديد لم يكن محورياً في الطرح الإسرائيلي الأول، وهو عنصر «عودة الإسلاميين». ففي تقارير وتحليلات نشرتها صحيفة The National الإماراتية قيل إن «الجيش السوداني يتأثر بشكل متزايد بعناصر مرتبطة بالنظام الإسلامي السابق». وفي تحليل آخر أشير إلى أن «الحرب قد تؤدي إلى عودة الشبكات الإسلامية التي كانت قد ربطت السودان بإيران في الماضي».

 

وبهذا المعنى أُعيد تركيب الرواية في الإعلام الإقليمي بحيث تجمع بين ثلاثة عناصر: الجيش السوداني، والإسلاميون، وإيران. ومن هذه النقطة بدأت الفكرة تتحول تدريجياً من تحليل جيوسياسي إلى خطاب سياسي.

 

ومع مرور الوقت انتقلت هذه الرواية إلى خطاب سياسي يستخدم للتعبئة من قبل الناشطين المرتبطين بتحالف «صمود». فقد بدأت المداخلات الإعلامية والتصريحات السياسية تكرر العناصر نفسها التي ظهرت في المراحل السابقة: أن الحرب تمثل محاولة لعودة الإسلاميين عبر الجيش، وأن هذا التحول يعيد السودان إلى محور إقليمي تقوده إيران.

 

وفي هذا السياق لعبت بعض المنصات الإعلامية الإقليمية دوراً مهماً في نقل هذا الخطاب إلى المجال العام، إذ استضافت قنوات إخبارية مثل Sky News Arabia عدداً من الشخصيات المرتبطة بخط «صمود» ، وخاصة بعد إندلاع الحرب الحالية بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى ، وكان واضحا محاولة الإصطياد من مياه تلك الحرب لتحقيق أكثر من هدف سياسي ، حيث تكرر في هذه الحوارات الحديث عن «عودة الإسلاميين عبر المؤسسة العسكرية» وربط ذلك بالتقارب مع إيران، وهو خطاب يعيد إنتاج العناصر نفسها التي ظهرت أولاً في التحليلات الإسرائيلية ثم في الإعلام الإقليمي.

 

بهذا المسار يمكن تتبع تطور الرواية عبر ثلاث حلقات واضحة. الحلقة الأولى نشأت في الصحافة ومراكز الدراسات الإسرائيلية التي تناولت السودان من زاوية الصراع الإقليمي في البحر الأحمر. الحلقة الثانية ظهرت في الإعلام العربي القريب من الإمارات حيث أُضيف عنصر «عودة الإسلاميين» إلى التحليل الجيوسياسي. أما الحلقة الثالثة فتمثلت في انتقال الرواية إلى السجال السياسي السوداني عبر بعض الناشطين المرتبطين بتحالف «صمود» وتكرارها في المنابر الإعلامية والحوارات التلفزيونية.

 

والنتيجة أن صمود أسفرت عن عدائها الصريح للجيش بعدما كانت تتواري خلف لافتة ( لا للحرب ) ، في محاولة مستميتة للضغط عليه حتى يقبل بمشروع «صمود» ويتخلى عن فكرة مقاومة عدوان المليشيا والدفاع عن المواطنين الذين تعرضوا لعنفها وهمجيتها. كما يأتي هذا الخطاب ضمن حملة أوسع تسعى إلى إعادة هندسة الداخل السوداني عبر آليات التدخل الخارجي، في مواجهة إرادة تيار وطني عريض يرى أن مستقبل البلاد لا يمكن أن يُبنى إلا عبر حوار وطني شامل وإرادة سودانية مستقلة عن الضغوط الإقليمية والدولية..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.