عمر دمباي يكتب.. من يتلاعب ببيانات الموظفين

0

بقلم- عمر دمباي – من يتلاعب ببيانات الموظفين ليحدد من يُحال إلى الصالح العام ومن يبقى في الخدمة؟- قضية المهندس نصر الدين تكشف خللاً خطيراً في مؤسسات يفترض أن تحمي الحقوق لا أن تضيعها.

 

في الدول التي تحترم مؤسساتها، لا يمكن أن يُحال موظف إلى المعاش بقرار مبني على بيانات مشكوك في صحتها، ولا يمكن أن تمر الأخطاء في السجلات الوظيفية مرور الكرام، لأن السجل الوظيفي ليس مجرد أوراق محفوظة في درج إداري، بل هو مصير إنسان وسنوات من عمره وخدمته.

 

لكن ما حدث مع المهندس نصر الدين علي موسى، رئيس قسم التفتيش بفرع البحر الأحمر في الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، يفتح باباً واسعاً للتساؤل حول ما يجري داخل بعض المؤسسات التي يفترض أن تكون مثالاً للدقة والانضباط.

 

تفاجأ الرجل بقرار إحالته إلى المعاش الإجباري بعد أن تسلم خطاباً عبر مدير قطاع البحر الأحمر ممهوراً بتوقيع المدير العام للهيئة بتاريخ 3 أغسطس 2024، يفيد بأنه بلغ السن القانونية للتقاعد (65 عاماً)، اعتباراً من الأول من يناير 2025، استناداً إلى أنه من مواليد الأول من يناير 1960.

 

غير أن الحقيقة التي ظل الرجل يكررها منذ اللحظة الأولى هي أن تاريخ ميلاده الحقيقي هو الأول من يناير 1970، أي أنه ما يزال أمامه عقد كامل من الخدمة قبل بلوغ سن التقاعد.

 

المفارقة أن المهندس نصر الدين لم يكتفِ بالاعتراض الشفهي، بل قدم كل المستندات التي تؤكد صحة موقفه، ومع ذلك لم تجد شكواه آذاناً صاغية داخل المؤسسة التي يعمل بها.

 

الأكثر إثارة للدهشة أن الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس لم تقدم أي مستند رسمي يثبت صحة التاريخ الذي استندت إليه في قرارها، بينما اكتفى ديوان شؤون الخدمة بخطاب إداري مجرد، دون أن يرفق الوثائق التي تثبت الأساس الذي بُني عليه قرار بهذه الخطورة.

 

وهنا يصبح السؤال مشروعاً:

كيف يمكن لمؤسسة حكومية أن تصدر قراراً مصيرياً بإحالة موظف إلى المعاش دون مستندات واضحة وموثقة؟

 

وأمام هذا الانسداد الإداري، لم يجد المهندس نصر الدين طريقاً سوى اللجوء إلى النيابة العامة، مقدماً شكوى حول عدم صحة البيانات التي استندت إليها الهيئة.

 

تحركت النيابة وخاطبت السجل المدني طالبة التأكد من تاريخ ميلاده وفق بيانات الجنسية المرفقة بسجل الخدمة.

 

وجاء الرد واضحاً وصريحاً:

تاريخ ميلاد نصر الدين علي موسى المسجل رسمياً في السجل المدني هو 1 يناير 1970.

هذا الرد لم يكن مفاجئاً للرجل، لأنه الحقيقة التي ظل يؤكدها منذ البداية، لكنه في الوقت ذاته يطرح أسئلة أكثر خطورة من مجرد خطأ إداري.

 

من الذي غير تاريخ الميلاد في سجل الخدمة؟

ومن الذي أجرى ذلك الكشط الواضح والفاضح في خانة مكان الميلاد وتاريخ الميلاد داخل السجلات؟

وكيف مرت هذه الأخطاء البدائية داخل مؤسسات يفترض أن تكون أكثر الجهات دقة في التعامل مع الوثائق الرسمية؟

 

إن القضية لم تعد مجرد نزاع إداري حول تاريخ ميلاد، بل تحولت إلى قضية تتعلق بسلامة السجلات الوظيفية في الدولة.

 

فإذا كان تاريخ ميلاد موظف يمكن تغييره أو العبث به بهذه البساطة، فكم من موظف آخر يمكن أن يتعرض للمصير نفسه دون أن يجد فرصة للدفاع عن نفسه؟

 

قد يكون من السهل اليوم القول إن القضاء سينصف المهندس نصر الدين، وهذا أمر نثق فيه، لكن العدالة الحقيقية لا تكتمل فقط بإعادة الحق لصاحبه، بل بمحاسبة من تسبب في ضياعه.

 

فالقضية تطرح سؤالاً أكبر وأخطر من مجرد إحالة موظف إلى التقاعد:

من يتلاعب بسجلات وبيانات الموظفين ليحدد من يذهب إلى الصالح العام ومن يبقى؟

ومن هي الجهات التي وقفت وراء إبعاد الرجل خلال الفترة الماضية؟

وما هي القرارات أو الترتيبات التي مرت خلال تلك الفترة مستفيدة من غيابه؟

الأخطر من ذلك كله أن بعض الجهات قد تسيء استخدام سلطتها وهي مطمئنة إلى أن يد المساءلة قد لا تصل إليها، أو أن العقاب لن يطالها مهما بلغ حجم التجاوز.

 

لكن الدولة التي تريد بناء مؤسسات محترمة لا يمكن أن تسمح بتحويل السجلات الوظيفية إلى ساحة للتلاعب أو تصفية الحسابات الإدارية.

 

فقضية المهندس نصر الدين ليست قضية فرد، بل جرس إنذار يكشف خللاً خطيراً يجب التوقف عنده، لأن العدالة لا تقوم فقط في قاعات المحاكم، بل تبدأ أولاً من نزاهة السجلات داخل المؤسسات.

وحتى ذلك الحين سيظل السؤال قائماً:

من عبث بسجل نصر الدين… ولماذا؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.