روايات الناجين تكشف المأساة الصادمة ودور الإمارات

0

كتب يوسف كمال الأمين- يجب قراءته: الإبادة الجماعية التي جرى التنبؤ بها بدقة في التاريخ شهادات الناجين، صور الأقمار الصناعية، وتحقيقات تكشف كيف تجاهل العالم مجازر دارفور ودور الإمارات في دعم قوات الدعم السريع.

 

ترجمتُ تحقيقاً بعنوان “الإبادة الجماعية التي جرى التنبؤ بها بدقة في التاريخ” للصحفية ميشيل شيبرد، نشرته مجلة The Walrus، وهي مجلة كندية معروفة بالتحقيقات والتحليلات الطويلة. يعتمد المقال على شهادات الناجين من دارفور، وصور الأقمار الصناعية، وتحقيقات بحثية مستقلة، ليعرض صورة مفصلة عن الكارثة التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.

 

يفتتح التحقيق بشهادات مباشرة من الناجين الذين فرّوا إلى تشاد. تقول إحدى الناجيات: “كانوا يصفون الناس أمامنا ويغتصبونهم ويجلدونهم ويطلقون النار عليهم في وسط الشارع. رأينا أشياء لا يمكن تصورها في هذه الحرب.” وتروي كيف أوقف مقاتلو قوات الدعم السريع عائلتها أثناء الفرار، ثم “ظنوا أن والدي يشبه أحد جنود الجيش، فسحبوه من التكتك وقتلوه أمامنا مباشرة.” وبعد ذلك صعد المقاتلون إلى مركباتهم المعروفة باسم التكنيكال، وأمروا النساء بالركض ثم بدأوا إطلاق النار بلا توقف. تقول: “من لم يستطع الهرب سقط قتيلاً.”

 

ويروي التحقيق أيضاً مصير آلاف المدنيين الذين انتهى بهم المطاف في مخيم أدري داخل تشاد، وهو مكان لم يُنشأ أصلاً كمخيم للاجئين لكنه تحوّل إلى ملاذ اضطراري لأكثر من 235 ألف شخص. وهناك يعيش أطفال نجوا من المجازر مثل عبد الناصر، الطفل الذي لم يتجاوز الثامنة، والذي نجا منفصلاً عن أسرته، لكنه يستيقظ ليلاً وهو يبكي ويصرخ بعد ما رآه في طريق الهروب.

 

كما يناقش التحقيق انهيار النظام الغذائي في السودان بعد الحرب، حيث تُركت المزارع مهجورة ودُمّرت الأسواق وقُطعت طرق الإمداد، ما أدى إلى واحدة من أخطر أزمات الجوع في العالم. ويشير المقال إلى أن الحرب في السودان كثيراً ما توصف بأنها “منسية”، لكن الحقيقة كما يقول الكاتب أكثر قسوة: “الحرب في السودان لم تُنسَ. لقد تم تجاهلها.” ففي الوقت الذي تحظى فيه صراعات أخرى باهتمام عالمي واسع، بقيت الكارثة السودانية خارج دائرة الاهتمام الدولي.

 

ويعرض التحقيق كذلك الأدلة التي جمعتها مؤسسات بحثية مثل مختبر الأبحاث الإنسانية في جامعة ييل، والتي وثّقت عبر صور الأقمار الصناعية تدمير أحياء كاملة في دارفور وظهور مقابر جماعية بعد هجمات قوات الدعم السريع. وقد خلصت هذه التحقيقات إلى أن ما يحدث يمثل حملة تطهير عرقي قد ترقى إلى إبادة جماعية ثانية في دارفور. وفي نوفمبر 2025 فتح مدعون في المحكمة الجنائية الدولية تحقيقاً في جرائم الحرب المرتبطة بهذه الأحداث، فيما وصف محققون تابعون للأمم المتحدة مدينة الفاشر بأنها “مسرح جريمة” يحمل “سمات الإبادة الجماعية”.

 

ولا يتوقف التحقيق عند الجانب الإنساني، بل يناقش أيضاً البعد الدولي للصراع، خاصة الدور الذي تلعبه الإمارات في دعم قوات الدعم السريع. فالتقرير يشير إلى أن هذا الدعم، إلى جانب علاقات حميدتي الإقليمية وشبكات التسليح والتمويل، أصبح جزءاً من حسابات سياسية أوسع أثرت على مواقف بعض القوى الدولية. ويقول الباحث ناثانييل ريموند إن العلاقة الاستراتيجية مع الإمارات كانت عاملاً مهماً في تردد بعض الحكومات الغربية في مواجهة ما يجري.

 

وفي خلاصة التحقيق يطرح المقال فكرة صادمة: أن ما حدث في دارفور لم يكن مفاجئاً. فقد كانت هناك صور أقمار صناعية، وتحقيقات، وتحذيرات مبكرة توثق ما يجري منذ بداية الحرب. ومع ذلك، لم يتحول هذا الإنذار إلى تحرك دولي حاسم. ولهذا يصف الباحثون هذه المأساة بأنها ربما “الإبادة الجماعية الأكثر دقة في التنبؤ بها في تاريخ البشرية.”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.