متابعات- الزاوية نت- أثارت تصريحات رئيس مجلس السيادة السوداني القائد العام للجيش الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، حول دور شباب ثورة ديسمبر في التخلص من الدعم السريع، عندما قال إن الشباب الذي أحدث التغيير في ديسمبر 2019م قادر على اقتلاع المليشيا من جذورها حتى يعيدوا للسودانيين أمنهم واستقرارهم”.
أثارت الكثير من الجدل في أوساط الإسلاميين، الذين اعتبروه مؤشر للتخلص منهم، وعدم الاعتراف بدورهم في مساندة القوات المسلحة حتى تم دحر التمرد من الخرطوم والجزيرة والنيل الأبيض وسنار والآن يقاتلون في كردفان.
وتعليقا على ذلك طرح د. إبراهيم الصديق سؤال مفاده بماذا يفكر الرئيس البرهان عندما يخلط عملاً صالحاً بآخر طالح؟ ليس من الحكمة أو حسن التدبير هذا التطفيف في التوصيفات والتصنيف، وقال إنه لا بأس بالإحتفاء والذكرى، ولكن الصعود فوق مجاهدات الآخرين أمر لا يليق بالقادة والزعماء وكبار القوم، خاصة وانه غير مجبور على ذلك.
وأشار الصديق إلى أنه إن كان يظن وراء ذلك كسب سياسي فهو بعيد عن نبض الشارع والفضاء العام، فما هى دواعي هذا الاستدعاء البائس، وأضاف “أم درمان شهدت بسالة الرجال ووعى الشباب، أقتلعوا منها المليشيا المجرمة ومرتزقتها زقاق زقاق وحارة حارة، ولكل شبر فيها قصة وصفحة من تاريخ.. ستبقى شامخة”.
بينما قال الصحفي بابكر يحى وهو أحد قيادات الإسلاميين، إن هناك فرق كبير بين تحية البرهان لثوار ديسمبر في يونيو من العام 2019 وبين تحيته لهم اليوم في فبراير من العام 2026، في المرة الأولى استحقوا تحيته (الشخصية) لأنهم سببا مباشراً في رئاسته للمجلس العسكري وسببا مباشراً في صدارته للمشهد ؛ فلولاهم لظل مفتشا عاما للجيش أو حتى تمت إحالته للمعاش في أقرب كشف للترقيات والإحالات في ذلك الوقت – تحيته إليهم في هذا المقام كان فيها شيء من الوفاء – وهذا بعيدا عن جانب الموضوع والمحتوى والمسؤولية والرسالة.
أما تحيته لهم اليوم فهي تحتاج إلى تفسير وبحث مطول لفك الغموض المتمثل في سؤال السببية – ما هو سبب تحية البرهان لهم ؟ وهل يستحقون هذا التمجيد ؟ وهل هم فعلا من قلع التمرد؟ هل كانوا هم من فك حصار سلاح المهندسين بادي الأمر وبعدها حرروا الإذاعة والتلفزيون؟ هل كان الشباب الذين حمو سلاح المدرعات وانضموا طوعا إلى الجيش مساء يوم 16 أبريل- هل كانوا من ثوار ديسمبر؟ هل كان الشهيد مهند والشهيد الليبي عليهما الرحمة ومعهم أويس غانم وثلة من الأخيار هل كانوا ديسمبريون؟
هل كان ثوار ديسمبر هم من يقودون العمل الخاص ويتسللون لوازا إلى الجنجويد وينحتون الحيطان ويدخلون عليهم في لب الليل البهيم الأليل – هل كان هؤلاء ديسمبريون ؟ ما هي اسماء الكتائب التي شكلها ثوار ديسمبر وتصدوا بها للعدوان ؟ هل اقتحموا مدني كما الطيب الطريفي واخوانه وماتوا وجرحوا
والسؤال الأهم – من هم الثوار الذين يعنيهم القائد البرهان بخطابه كل مرة – فالثوار الأساسيين الذين قامت عليهم الثورة وكانوا آيقونات لها ذهبوا مع المليشيا أمثال احمد الضي بشاره ودسيس مان وخالد عجوبه وخالد سلك وجعفر سفارات ومدني عباس مدني فهؤلاء هم أهل ديسمبر الحقيقيين يختلف الناس معهم أو يتفقوا
أما الجزء الآخر من شباب ديسمبر أمثال هشام الشواني وناجي مصطفى بدوي ومحمد علي الجزولي وذا النون وآخرين فهؤلاء لم يكونوا معنيين بالتحية الأولى من قبل القائد بل كان مغضوب عليهم وتم إقصائهم منذ يوم 13 أبريل من العام 2019 – فكيف تشملهم التحية الثانية ؟ التحية كانت وما تزال تشمل وجهة فكرية محدده وهي اليساريون من ثوار ديسمبر – وهذا لدواعي إقليمية ودولية وليس لدواعي الحق والعدل والفضيلة.
قدر البرهان وضعه منذ 12 أبريل بين تبارين – تيار وطني إسلامي عام يحب الجيش ويدعم الكاكي ولا يقبل لنفسه حتى مجرد التفكير في أي شيء فهو تيار أعماه الحب وغيب بصيرته لدرجة أن هذا التيار يرى أن في الذم الذي يلقاه من قادة العسكر مدحا فقد ظل هذا التيار يتمسك بأي قشه كي يتعلق بها لتربطه بالكاكي وإن لم يجد هذه القشه وضع لها افتراضات في خياله وتعامل مع هذا الوهم على أساس أنه واقع – وهو تيار مكروه ومبغوض من قبل البرهان – وهذا أوضح جانب في شخصيته.
أما التيار الآخر فهو التيار المرتبط بالخارج روحا وقلبا وتكوينا وهو التيار المتمحور حول كتلتي صمود وتأسيس فهؤلاء أفضل ما فيهم أنهم يكرهون العسكر ولا يثقون فيهم ولا يحبونهم وهو موقف مبدئي يحمد لهم – لكنهم في المقابل لا يؤمنون برافعة الشعب فهم متعلقون بالسفارات والمنظمات لدرجة أن حمدوك عندما تم تعيينه رئيسا للوزراء اختار أن يأخذ راتبه من الاتحاد الأوروبي على الرغم من أن بين يديه ثروة بلاد كاملة كان بإمكانه أن بأخذ منها ما يشاء خاصة وأنه لا يوجد رغيب ولا حسيب كما أنه ليس مسئولا عن تنمية ولا تحسين حياة الإنسان السوداني – كان فقط مطلوب منه أن يقول كلمتين يرددها القطيع من خلفه – ومع ذلك لم يعشق المال الوطني وسال لعابه للمال الأجنبي القادم من أوروبا
هكذا هم أطراف العملية السياسية في السودان وعلى البرهان أن يختار أي من التيارين فالطريق الثالث غير متوفر حاليا – التيار الأول حائرا يبحث عن الحد الأدنى من رضاء البرهان ولن يجده وليس له ما يقدمه أكثر من الأرواح والدماء ؛ والثاني يريد البرهان كشخص ولا يرغب في مؤسسته العسكرية – الوقت لا يحتمل مزيدا من التأني والتردد والأمر كله بيد البرهان فليفعل فيهم ما يشاء فالدراويش لا مكان لهم في عالم اليوم – أقول وأعني ما أقول ؛ والله المستعان.
إلى ذلك قال الناشط السياسي علي عمر محمود، إنه من الطبيعي جدًا أن يتحدث الفريق أول عبد الفتاح البرهان عن آخر حراك سياسي في البلاد بوصفه تعبيرًا عن شرعية وتفاعل مجتمعي فكل مرحلة تاريخية تنتج خطابها السياسي وتعكس ميزان القوى في الشارع لكن من المهم أن نقرأ التصريحات في سياقها الصحيح بعيدًا عن التوظيف الضيق أو التفسير الانتقائي.
وأضاف “شباب ديسمبر ليسوا قحاطة ولا تقدم ولا صمود بالمعنى التنظيمي الضيق فثورة ديسمبر كانت حالة شعبية عريضة تجاوزت الأحزاب واللافتات خرج السودانيون ضد نظام عمر البشير لا انتصارًا لفئة بل رفضًا للفساد والاستبداد والكنكشة السياسية التي عطلت مؤسسات الدولة وأفقرت البلاد كانت لحظة بحث عن دولة مؤسسية عن نماء وتطور وعن حياة كريمة تليق بالشعب السوداني.
نعم لا مقارنة بين السياقين ففي ديسمبر خرج الناس طلبًا للأفضل واليوم خرج ذات الشعب واصطف خلف قواته المسلحة دفاعًا عن الكرامة والعزة ووحدة البلاد هذا الاصطفاف لا يعني مصادرة الحلم الأول بل يعكس تحولات الواقع وضغط التحديات الوجودية التي فرضت نفسها على الجميع.
حتى الأجيال ذات الخلفية الإسلامية التي تقاتل اليوم لا يمكن اختزالها أو نسبها تلقائيًا إلى التجربة التي سقطت في أبريل 2019 فالتاريخ يتحرك والاصطفافات تتبدل والوعي الجمعي يتشكل وفق المعطيات لا الشعارات.
لذلك أرى أن تصريحات البرهان يغلب عليها الطابع العام لا التخصيص وهي مقبولة من حيث الإشارة إلى المزاج الشعبي الواسع لا من حيث حصره في تيار بعينه الأهم من ذلك أن شعار المرحلة لدى العقلانيين حتى داخل المؤتمر الوطني نفسه ينبغي أن يكون واضحًا: لا عودة لما قبل ديسمبر.
فمن سنن الله في الكون أن عجلة الزمان لا تعود إلى الخلف، وأن الشعوب التي دفعت أثمانًا باهظة لا يمكن أن تقبل بإعادة إنتاج ذات الأزمات. المستقبل لا يُبنى بالارتداد، بل بالمراجعة، والتوافق، وتقديم مصلحة الوطن على ما سواها.
