صحفي يكشف الحقيقة المؤلمة عن مدخرات المواطنين بالخرطوم

0

بقلم- عزمي عبدالرزاق- التضحية بمدخرات المواطنين- عندما تعود وتجلس في فناء دارك، سوف تفرح في اليوم الأول، ريثما تكتشف الحقيقة المؤلمة، ما تم نهبه منك، السيارة ليست في مكانها، الأموال تبخرت، المشغولات الذهبية التي اشتريتها لزوجتك أو بناتك، وفرحوا بها، تم نهبها أيضاً، كذلك الأثاث، الدراجة البخارية، الملابس، الهواتف، كل شيء، وليس عليك أن تحزن، يمكنك أن تردد في صمت” منه العوض وعليه العوض”، وعلى اللصوص أن يستمتعوا بتحويشة العمر، كل ذلك يهون من أجل السلام.

 

غربة طويلة

يا هذا، أي سلام يسلبني حقي، مالي، سيارتي، ورثة أجدادي، تعب السنوات وميراث الأمهات، فما تم نهبها ليس من الأملاك العامة، هو حصاد عمر، غربة طويلة في المنافي، فهل تريدني أن اتخلى عنه بهذه البساطة؟ تباً لك ثم تب.

 

فالأرواح لا تُعوّض

القليل جداً من الناس نجا، والبقية عادوا إلى نقطة الصفر، حفاة الذاكرة، مثقلين بالديون والخذلان، دعك من الأرواح، فالأرواح لا تُعوّض، ولا تُستعاد، ولا تُحصى.

 

لا يجوز الحديث

لكن هل يُطلب منا أيضاً أن نُسلِّم بما سُرق منا عن سبق إصرار وترصّد؟ سرقه الجنجويد، ميليشيا آل دقلو الإرهابية، والمستنفرين معها، بحجة أنها أموال فلول، حلال عليهم! فهل المطلوب أن نُقنع أنفسنا بأن ما نهبته مليشيا الدعم السريع كان “قدراً وطنياً” لا يجوز الحديث عنه حتى لا نفسد المشهد؟

 

خزينة دولة

مدخراتنا لم تكن أموال فلول، ولم تأتِ في شنطة حكومة، ولم تُمنح لنا من خزينة دولة، كانت حصاد أعمار طويلة، تجارب مريرة، أو ورثة آباء، أو نجاحات شخصية شقينا لأجلها.

 

الشاحنات تتحرك بلا خجل

في أيام احتلال الخرطوم والجزيرة، كانت الشاحنات تتحرك بلا خجل، في وضح النهار، محمّلة بكل شيء: سيارات، ذهب، ماشية، محاصيل، أثاث بيوت، ثم تترك خلفها جدراناً عارية، تسكنها القطط وحدها، تماماً كما توعد زعيمهم، لص آل دقلو.

 

ملايين البيوت

المثير للسخرية ـ أو للبكاء ـ أنه لا رئيس وزراء، ولا رئيس مجلس سيادة، ولا أي مسؤول رفيع يذكر مدخرات المواطنين المنهوبة في خطاباته.. كأنها بلا قيمة، ولا حتى المبادرات الخارجية التي تتحدث عن الهدن والمفاوضات معنية بما جرى للناس، كأن ملايين البيوت التي أُفرغت من محتواها مجرد تفصيلة جانبية في حرب كبرى.

 

حفاظاً على السلامة العامة

لا نسمع عن دعاوى قانونية، ولا مطالبات واضحة للدول التي تدعم هذه المليشيا، ولا حتى نية لفتح ملفات تعويض المواطنين، ولا مساءلة الجهات التي هُرّبت إليها تلك المنهوبات، داخل السودان وخارجه، السؤال المهم: ما هي الآليات القانونية التي ستُعيد هذه الممتلكات؟ ومن سيعوض أصحابها؟ أم أن المطلوب هو التضحية بها، مثل المخدرات المضبوطة في الحملات، “حفاظاً على السلامة العامة”؟

 

الأرقام، لمن لا يحب القصص، أكثر فجاجة من السرد:

كل الأسواق الرئيسية في الخرطوم دُمّرت أو نُهبت، كذلك الشركات الكبيرة والصغيرة أُحرقت، المصارف نُهبت بأموال الناس، وخسائر القطاع التجاري والسياحي وحده تُقدّر بنحو 15 مليار دولار، أما مساكن المواطنين، فحدث ولا حرج، نحو 10 آلاف مسكن في الخرطوم نُهب بالكامل، آلاف المنازل دُمّرت جزئياً أو كلياً.

 

أكثر من 40 ألف سيارة استولت عليها المليشيا في الأيام الأولى للحرب، وفق تقديرات متحفظة. وخسائر المواطنين الخاصة تُقدّر بحوالي 10 مليارات دولار، في الجزيرة، عندما كانت تحت سيطرة المليشيا، لم تسلم البيوت ولا المؤسسات ولا حتى الماشية؛ نحو 60% من الثروة الحيوانية نُهبت، من أصل 11 مليون رأس.

 

الشرطة تقول إن المنهوب حتى نهاية العام الماضي نحو 150 ألف سيارة، لكن الإحصاءات الواقعية تهمس ـ بل تصرخ ـ أن الرقم تضاعف ثلاث مرات، هل كل هذه الأشياء بلا قيمة، وماذا عن الناس الذين تعرضوا لعمليات إفقار ممنهجة، بعضهم لا يتوفر له اليوم حتى ثمن الطعام، هل يجب عليهم أن يموتوا بالحسرة؟!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.