خبر مغلوط عن هبوط طائرة تابعة بدر للطيران على مدرج مطار الخرطوم

0

بقلم – إبراهيم عدلان- “عندما تتكامل الشائعة مع التضليل: قراءة تحليلية في استهداف الطيران المدني السوداني”- خلال أقل من أسبوع، تتابعت سلسلة من الأخبار المتناقضة والمتزامنة حول قطاع الطيران المدني السوداني، كان آخرها خبرٌ مغلوط عن هبوط طائرة تابعة لشركة بدر للطيران على مدرج مطار الخرطوم، سبقه خبر منسوب زورًا إلى منظمة الطيران المدني الدولي (الإيكاو) يحذر من تدني مستويات السلامة في مطارات السودان، وقبله حديث عن تدمير واسع وقتلى بمطار الخرطوم ثبت عدم حدوثه، إضافة إلى مقال صحفي يقدح في جاهزية مطار بورتسودان.

ظاهر المحتوى
هذا التتابع الزمني السريع، وهذا التنوع الشكلي في الأخبار، لا يمكن قراءته بوصفه صدفة إعلامية أو اجتهادات صحفية معزولة، بل يفرض مقاربة تحليلية أعمق تتجاوز ظاهر المحتوى إلى منهج التوقيت والغاية.
التوقيت كأداة تأثير.

محاولات حذرة للتعافي
العنصر المشترك بين هذه الأخبار ليس الحدث، بل الزمن. فقد صدرت جميعها في فترة قصيرة، وفي لحظة حساسة يشهد فيها قطاع الطيران محاولات حذرة للتعافي، وبدء ترتيبات فنية وتشغيلية لعودة بعض الشركات الإقليمية والدولية عبر مطار بورتسودان. في مثل هذا السياق، يصبح التوقيت ذاته رسالة، وأداة ضغط غير مباشرة.
التناقض المقصود لا الخطأ العفوي
من الناحية المهنية، لا يجتمع التحذير من انهيار السلامة الجوية مع خبر هبوط طائرة في ذات المطار إلا في حالة واحدة: التناقض المتعمد. هذا التناقض لا يُضعف الرسالة، بل يخدمها، لأنه يخلق حالة من الإرباك الذهني لدى المتلقي، ويزرع الشك حتى في الحقائق القابلة للتحقق. فالهدف هنا ليس الإقناع، بل التشويش.
استهداف الثقة لا المدارج
اللافت أن جميع هذه الأخبار، رغم اختلاف عناوينها، تصب في اتجاه واحد: ضرب الثقة في منظومة الطيران المدني. فالسلامة الجوية، وموثوقية المطارات، واستقرار التشغيل، تمثل جوهر القرار لدى شركات الطيران وشركات التأمين والمنظمات الدولية. وحين تُضرب هذه العناصر معنويًا، تتوقف الطائرات حتى لو كانت المدارج صالحة.
بالونات اختبار وردود فعل
خبر هبوط طائرة بدر، على وجه الخصوص، يبدو أقرب إلى بالون اختبار لقياس ردود الفعل:
هل ستنفي الجهات المختصة؟
هل سيكون النفي متماسكًا؟
هل سيتحول الصمت إلى إقرار ضمني؟
بينما مهّدت الأخبار السابقة، خاصة البيان المزوّر المنسوب للإيكاو، الأرضية النفسية لتقبل أي رواية لاحقة، مهما كانت واهية.
ما الذي نواجهه فعليًا؟
ما يجري لا يندرج في إطار “الأخبار الكاذبة” التقليدية فحسب، بل في سياق أوسع يمكن وصفه بـ حرب معلومات منخفضة الكثافة، تستهدف قطاعًا استراتيجيًا شديد الحساسية، وتستخدم أدوات متعددة: خبر، بيان، مقال، وشائعة، جميعها تعمل في اتجاه واحد هو إدامة حالة عدم اليقين(information fog).
إن مواجهة هذا النمط من الاستهداف لا تكون بالإنكار الانفعالي ولا بالنفي المتأخر، بل ببناء خطاب مهني موحد، مرجعيته فنية، ومصادره واضحة، ويستبق الشائعة بالمعلومة. فمعركة الطيران المدني اليوم ليست على المدارج فقط، بل على الرواية، ومن يمتلكها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.